فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأصحابه شرب الخمر؛ وظنوا أنها تباح لمن عمل صالحاً على ما فهموه من آية المائدة؛ اتفق علماء الصحابة كعمر وعلي وغيرهما على أنهم يستتابون، فإن أصروا على الاستحلال كفروا، وإن أقروا به جلدوا فلم يكفروهم بالاستحلال ابتداء لأجل الشبهة التي عرضت [لهم] (1) حتى يتبيّن لهم الحق، فإن أصروا على الجحود كفروا.

وقد ثبت في الصحيحين حديث الذي قال لأهله: "إذا أنا مت فاسحقوني ثم ذروني في اليم، فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً من العالمين، فأمر الله البَرَّ فرد ما أخذ، وأمر البحر فرد ما أخذ منه، وقال: ما حملك على ما فعلت، قال خشيتك يا رب فغفر له" (2)، فهذا اعتقد أنه إذا فعل ذلك لا يقدر الله على إعادته، وأنه لا يعيده أو جوز ذلك، وكلاهما كفر، لكن كان جاهلاً لم يتبيّن له الحق فغفر له.

ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين نفوا أن يكون (3) الله -تعالى- فوق العرش لما وقعت محنتهم، أن لو وافقتكم كنت كافراً؛ لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال، وكان هذا خطاباً لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم (4).


= وأخرج هذه القصة كاملة عبد الرزاق في مصنفه 9/ 240 رقم 1076، والبيهقي في السنن 8/ 316 باب من وجد منه ريح شراب أو لقي سكران، وقال شعيب الأرنؤوط في حاشية السير 1/ 161 رجاله ثقات. أ. هـ.
(1) كذا في (ف) و (د) و (ح) وفي الأصل (عليهم).
(2) أخرجه البخاري في (كتاب الأنبياء، باب حديث أبو اليمان أخبرنا شعيب) رقم 3481، 2/ 1082 وطرفه رقم 3478، ومسلم في (كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله) رقم (2756) ورقم (2757) (4/ 2110) بألفاظ متقاربه وقريبة من لفظ المؤلف.
(3) (يكون) سقطت من (د).
(4) سُئل العلامة عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين -رحمه الله- عن كلام المصنف أعلاه فقال في مجموع مخطوط: "تضمن كلام الشيخ -رحمه الله تعالى- مسألتين أحدهما: عدم تكفيرنا لمن كفرنا وظاهر كلامه أنه سواء كان متأولاً أم لا، وقد صرح طائفة من العلماء أنه إذا قال ذلك متأولاً لا يكفر ......
والمسألة الثانية: إن تكفير الشخص المعين وجواز قتله موقوف على أن تبلغه الحجة النبوية التي يكفر من خالفها ... إلخ، يشمل كلامه من لم تبلغه الدعوة، وقد صرح بذلك في =

<<  <  ج: ص:  >  >>