فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الإغاثة تضاف إلى المخلوق كما يُضاف إليه الإطعام والاستعانة والإعانة والهداية والتعليم، وهذا صحيح، وليس فيه أن الميت يستغاث به، كما أنه ليس فيه أن (1) يستطعم ويستسقى ويستهدى ويستنصر ويستغاث به، ولا فيه أن ما كان من هذا الباب لا يقدر عليه إلا الله فإنه يطلب من غيره.

والجملة الثانية التي من كلامه: أن من توسل إلى الله -تعالى- بنبيه في تفريج كربة فقد استغاث به؛ سواء كان بلفظ الاستغاثة أو التوسل أو غيرهما مما [في] (2) معناهما، وقول القائل: أتوسل إليك يا إلهي برسولك عندك أن تغفري لي، استغاثة بالرسول حقيقة في لغة العرب وجميع الأمم.

وهذا الكلام كذب باطل لم يسبقه إليه أحد، ولا ريب أنه لجهله وهواه وقع في هذا، وإلا فما تعمد أن يقول ما يعلم أنه كذب، ولم يقل أحد قط أستغيث برسولك عندك، ولا هذا عند أحد، لا العرب ولا غيرهم، وهو ظن أن الباب في التوسل كالباب في الاستغاثة وليس كذلك، فإنه يقال: استغاثه واستغاث به، كما يقال (3): استعانه واستعان به، فالمستغاث به هو المسؤول، وأما المتوسل به فهو الذي يتسبب به إلى المسؤول.

الجملة الثالثة: قوله: (إن الاستغاثة به بعد موته ثابتة ثبوتها في حياته؛ لأنه عند الله في مزيد دائم (4) لا ينقص جاهه)، وهذا لفظ صحيح لو كان معنى الاستغاثة: الإقسام به والتوسل بذاته، فإن ذاته بعد الموت لم تنقص، بل هي في مزيد دائم من ربه -عز وجل- بأبي هو وأمي - صلى الله عليه وسلم -، لكن هذه المقدمة باطلة كما قد عرف، فأما إذا كان معنى الاستغاثة هو الطلب منه، فما الدليل على أن الطلب منه ميتاً كالطلب منه حياً؟ وعلو درجته بعد الموت لا يقتضي أن يسأل، كما لا يقتضي أن يستفتى، ولا يمكن أحداً أن يذكر دليلاً شرعياً على أن سؤال الموتى من الأنبياء والصالحين وغيرهم مشروع، بل الأدلة الدالة على تحريم ذلك كثيرة.

حتى إذا قُدر أن الله وكَّلهم (5) بأعمال يعملونها بعد الموت؛ لم يلزم من


(1) في (د) و (ح) أنه.
(2) كذا في (د) و (ف) و (ح)، وفي الأصل (فيه).
(3) في (د) أنه.
(4) في (د) ثم وهي زيادة.
(5) في (د) و (ح) يكلفهم.

<<  <  ج: ص:  >  >>