فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عنه، وإذا كان الفلك لا يخلو من الحوادث امتنع صدور [ها] (1) عنه, لأن [وجود] (2) الملزوم بدون اللازم ممتنع، ووجود (3) اللازم ممتنع, ولو قدر مقدر أن العالم لم يكن فيه حادث ثم تجددت الحوادث؛ لكان القول فيما ليس بمتجدد؛ كالقول في غيره، فإن التقدير أنه هناك فاعل لا علة تامة, والعلة التامة لا يتجدد عنها شيء بل معلولها مقارن لها.

وهذا إذا تصوره العاقل علم بالضرورة بطلان قول هؤلاء الذين هم من أبعد الناس عن المعقول الصريح كبعدهم عن المنقول الصحيح, ثم هل تقوم بالرب الأمور الاختيارية التي يسمونها الحوادث؟ لهم في ذلك [قولان] (4) كما للمتكلمين قولان، وطائفة من الأساطين القدماء يجوزون ذلك وهو قول أبي البركات (5) صاحب "المعتبر" وغيرهم من متأخريهم, ومنهم من لا يجوِّزه كابن سينا وأمثاله، فمن لم يجوز ذلك ظهر فساد قوله بقدم العالم ظهوراً بيّناً, ومن جوزه أيضاً فيمتنع عليه أن يقول بقدم شيء من العالم, فإنه حينئذٍ إذا كان الرب يفعل شيئاً بعد شيء بأفعال [تقوم] (6) بذاته؛ لم يكن قط علة تامة لمفعولاته، بل كل ما يفعله ويحدثه هو فاعل له حين أحدثه وفعله, والمؤثر التام يستلزم أثره، كما أن الأثر يستلزم مؤثره التام.

ولهذا كان مذهب أهل السنة أن القدرة لابد أن تكون مع مقدورها, ولا يجوز أن تكون معدومة عند (7) وجود المقدور, ولكن تنازعوا هل يكون وجودها قبل مع بقائها؟.


(1) كذا في (د) و (ح) وفي الأصل و (ف) (صدوره) والضمير يعود على الحوادث.
(2) كذا في (ف) و (ح) وفي الأصل و (د) (وجوده).
(3) في (ف) غير واضحة.
(4) كذا في (ف) و (د) و (ح) وفي الأصل قولاً.
(5) هو أبو البركات، هبة الله بن علي بن ملكا البلدي, كان يهودياً فأسلم في آخر عمره، الفيلسوف، الطبيب، خدم الخليفة المستنجد، له كتاب "المعتبر" مات نحو 560 هـ. انظر: السير 20/ 419 ترجمة رقم 275 والأعلام 8/ 74.
وقد نقل عنه ابن تيمية قوله في مجموع الفتاوى 6/ 302, قال أبو البركات: لم يقل ذلك أحد من العقلاء. أ. هـ.
(6) كذا في (ح) و (ط)، وفي جميع النسخ (يقوم) بالياء.
(7) في (د) عن.

<<  <  ج: ص:  >  >>