فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فإن هذا الضال وأمثاله يجعلون الأنبياء والصالحين من جنس الذين يظنون أن النفع والضر يحصل لهم بتوسطهم؛ كما يجعل الشعاع والحرارة بتوسط الشمس.

ونحن نقول: إن كل ما شرعه الله ورسوله فهو من أعظم الوسائل (إلى الله، لكن دعاؤهم بعد الموت لم يشرعه الله ورسوله فليس من الوسائل) (1)، وكذلك سؤال أحدهم ما لا يقدر عليه إلا الله ليس مشروعاً، وأصل الدين أن لا يعبد إلا الله، وأن لا يعبد إلا بما شرع، وما ذكره هؤلاء يتضمن عبادة غير الله بغير أمر الله.

المقام الثاني: أن يقال هذا مما نهت عنه الرسل، فقد ثبت في الصحاح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن اتخاذ القبور مساجد وقال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"؛ يحذر ما فعلوا (2)، وقال: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلّوا إليها" (3).

فلو كان الدعاء عند القبور أجوب منه في غير تلك البقعة لكان قصدها للدعاء عندها مشروعاً لم يُنه أن يتخذ مسجداً، فإن اتخاذ القبور [مساجد] (4) يدخل فيه الصلاة وغيرها؛ ويدخل فيه بناء المساجد عليها، وكلاهما منهي عنه، بل يحرم كما صرح به غير واحد من العلماء (5) فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لعن من فعل ذلك تحذيراً لأمته, وهذا يقتضي توكيد التحريم.

فإن الدعاء في الصلاة أجوب منه في غيرها؛ كالدعاء في دبرها كما


(1) ما بين القوسين سقط من (د).
(2) أخرجه البخاري في (كتاب الجنائز، باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور) 1/ 395 رقم 1330 وأطرافه بالأرقام التالية: 435، 1390، 3453، 4443، 5815، ومسلم في (كتاب المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها) 1/ 377 رقم 532 وغيرهم من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
(3) أخرجه مسلم في (كتاب الجنائز، باب النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه) رقم 972، 2/ 668 من حديث أبي مرثد الغنوي.
(4) كذا في (ح) وفي الأصل (ولمساجد) وفي (ف) و (د) (لمساجد).
(5) قال النووي في المجموع 5/ 285 ط مطبعة الإمام بمصر: اتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على كراهية بناء مسجد على القبر، سواء كان الميت مشهوراً بالصلاح أو غيره، لعموم الأحاديث، وقال الشافعي: وتكره الصلاة إلى القبور، سواء كان الميت صالحاً أو غيره. =

<<  <  ج: ص:  >  >>