فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عند المقام وقرأ {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} " (1)، لأن الآية قد تتناول هذا وهذا عند كثير من أهل العلم.

ففي الجملة أحق البقاع بدعاء الله فيها المساجد التي يصلى فيها، والمشاعر التي شرع الله فيها الدعاء والذكر، وأمر أن يكون الدين خالصاً له كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162)} [الأنعام: 161 - 162].

فإذا كانت الصلاة والذكر لله وحده لم يكن ذلك مشروعاً عند قبر، وكما لا يذبح للميت ولا عند قبره؛ بل "نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن العقر عند القبر" (2)، وكره العلماء الأكل من تلك الذبيحة (3) فإنها شِبْهُ ما ذبح لغير الله، فلو كانت مقابر الأنبياء والصالحين مما يستحب الدعاء عندها لكانت إما من المساجد وإما من المشاعر التي يُحج إليها، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن هذا وهذا.


(1) أخرجه مسلم في (كتاب الحج، باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم -) رقم 1218، 2/ 886 ولفظه: "ثم نفذ إلى مقام إبراهيم -عليه السلام- فقرأ ... "، والنسائي في (كتاب مناسك الحج، كيف يطوف أول ما يقدم) رقم 2937، 5/ 228 ثم أتى المقام فقال: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} فصلى ركعتين والمقام بينه وبين البيت، وأخرجه غيرهم.
(2) أخرجه أبو داود في (كتاب الجنائز، باب كراهية الذبح عند القبر) 3/ 550 رقم 3222 من حديث أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا عقر في الإسلام"، قال عبد الرزاق -صاحب المصنف-: كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة. أ. هـ. وقد أخرجه الإمام أحمد في المسند 3/ 197، وعبد الرزاق في مصنفه 3/ 560 رقم 6690، والبيهقي في السنن الكبرى 5/ 57 باب كراهية الذبح عند القبر.
قال النووي في المجموع 5/ 286: رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح. أ. هـ , وقال العلامة الألباني: في أحكام الجنائز وبدعها ص 259 الطبعة الأولى 1412 هـ، الناشر مكتبة المعارف الرياض: إسناده صحيح على شرط الشيخين. أ. هـ.
(3) قال بذلك الإمام أحمد، ومراده -رحمه الله- بالكراهة الحرمة. انظر: المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة جمع وتحقيق عبد الإله الأحمدي 2/ 129 الطبعة الأولى 1412 هـ، الناشر دار طيبة الرياض. وللتوسع. انظر: شرح مسلم للنووي 1/ 150 واقتضاء الصراط لابن تيمية 2/ 745 - 746 والزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حجر الهيتمي 1/ 211 طبعة 1402 هـ، الناشر دار المعرفة بيروت، والفتوى رقم 6208 من فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، بالمملكة العربية السعودية.

<<  <  ج: ص:  >  >>