فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

به بعد موته؟ فقال أحدهما: لا يستغاث ولا يقسم به، فإن هذا ليس من خصائصه لكان من هذا الباب.

الثالث: قوله عن أبي يزيد: غير هذه العبارة خير منها، قول باطل، فإن

ما قال أبو يزيد -رحمة الله عليه- تلقاه الناس بالقبول، وقال (1) بعده أبو

عبد الله القرشي قال: "استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون

بالمسجون"، وهذا كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن عباس: "إذا سألت فاسأل الله، وإذا

استعنت فاستعن بالله"، وقوله لطائفة من أصحابه: "لا تسألوا الناس شيئاً"، ومنه قوله تعالى: {وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} [الشرح: 8]، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - في صفة السبعين ألفاً: "هم الذين لا يكتوون ولا يتطيرون ولا يسترقون"، فالاسترقاء طلب الرقية من المخلوق.

وكأنه يقول: هذا فيه جعل المخلوقين كلهم مثل الغريق؛ ويدخل في ذلك الأنبياء وغيرهم، وفي الناس من يمكنه إغاثة غيره، فيقال: أبو يزيد أراد -والله أعلم- الاستغاثة المطلقة التي لا تصح إلا بالله، وهو أن يطلب من المخلوق ما لا يقدر عليه إلا الله، كإزالة المرض والانتصار على العدو وهداية القلب، وهذا القدر يمكن المسؤول أن يتسبب فيه؛ أن يدعو الله له ويجيب الله دعاءه، كما أنه [قد] (2) يمكن بعض الغرقى أن يمسك غيره ويخلصه إذا كان فيه قوة على ذلك، وإن كان أراد كل ما يسمى استغاثة بحيث لا يُطلب من [المخلوق شيء] (3)، فهذا كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يسترقون"، وقوله: "إذا سألت فاسأل الله".

وحينئذٍ فالمسؤول كائن من كان لا يفعل شيئاً إلا بمشيئة الله وقدرته، فهو أحوج إلى معونة [الله] (4) من الغريق إلى من يخلصه، فإن الغريق غايته أن يموت؛ وهذا إن لم يغثه الله لم يفعل شيئاً قط بل هلك، فافتقار الخلق إلى


(1) في (ف) قاله.
(2) كذا في (ف) و (د) و (ح)، وسقطت من الأصل.
(3) كذا في (ح)، وفي الأصل (المخلق شيئاً)، وفي (ف) و (د) (المخلوق شيئاً)، والصواب ما أثبت أعلاه لأن شيئاً نائب الفاعل.
(4) كذا في (ح)، وسقطت من الأصل و (ف) و (د).

<<  <  ج: ص:  >  >>