فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فهذا القول الذي يقوله هذا هو مطابق لأحوال هؤلاء المشركين الضالين، لكن هذا ليس يقوله مسلم ولا عاقل يتصور ما يقول، بل هو من جنس قول النصارى: (دعاء المسيح) (1) دعاء لله، لكن أولئك يقولون باعتبار الحلول والاتحاد، وأما بدون هذا (فهو كلام) (2) غير معقول، فإن الله -تعالى- أمر أن يدعى هو ويسأل هو، ولم يجعل دعاء أحد من المخلوقين دعاء له بل قد نهى الله عن دعائه، ولو كان هذا حقًّا لكان من دعا الملائكة والأنبياء دعا الله (3) ولا يكون مشركاً؛ والله قد جعلهم مشركين، وقد قال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (56) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (57)} [الإسراء: 56 - 57]، فإن هؤلاء الضالين جعلوا الصالحين مع الله -سبحانه وتعالى- كالوكيل مع موكله، فإذا طُلب من الوكيل الدعاء كانت المطالبة للموكل في المعنى؛ لكن هذا ليس من أقوال الموحدين، بل هو من أعظم شرك الملحدين.

والرسول لم يضمن للخلق أن يرزقهم ويحاسبهم ولا يجيب دعاءهم، بل هذا كله أخبر أنه لله وحده، قال تعالى: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (40)} [الرعد: 40]، وقال: {قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (50)} [الأنعام: 50]، وقال: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)} [الأعراف: 188]، وقال: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (59)} [التوبة: 59]، فبيّن تعالى أن التحسب بالله وحده والرغبة إلى الله وحده، وأما الإيتاء فلله والرسول لأن الحلال ما حلله الرسول والحرام ما حرمه الرسول؛ كما قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]،


= الكهانة وإتيان الكهان) 4/ 1750 رقم 2228 وغيرهما بألفاظ متقاربة.
(1) ما بين القوسين سقط من (د).
(2) في (ف) فكلام.
(3) في (ف) لله.

<<  <  ج: ص:  >  >>