فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

توسلوا بعده بالعباس ولو كان التوسل بذاته ممكناً بعد الموت لم يعدلوا إلى العباس، والأعمى إنما توجه بدعائه وشفاعته، وكذلك الصحابة في الاستغاثة، وكذلك الناس يوم القيامة يستغيثون به ليشفع لهم إلى الله، فهم يتوسلون بشفاعته، [أما] (1) بمجرد (2) الذات بعد الممات فلا دليل عليه ولا قاله أحد من السلف، بل المنقول عنهم يناقص ذلك، وقد نص غير واحد من العلماء على أن هذا لا يجوز؛ وإن نقل عن بعضهم جوازه، فقد قال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59].

ويقال: ثالثاً: وهب أن قائل ذلك أخطأ في هذا النفي؛ لكن ليس كل مخطئ يكفر؛ لا سيما إذا قاله متأولاً باجتهاد أو تقليد.

وإن أراد بقوله: لا يكون وسيلة أي لا يكون الإيمان به ومحبته وطاعته وموالاته، واتباع سنته والمجاهدة على دينه ونحو ذلك وسيلة إلى الله؛ فهذا لم ينفه أحد، ونفي الاستغاثة به لا ينفي هذه الوسائل، وهذه وسائل في حصول الثواب والقرب من الله وسعادة الدنيا والآخرة، لا في مجرد الاستغاثة، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - هو الوسيلة إلى سعادة الدنيا والآخرة بهذا الاعتبار، ومن نفى كونه وسيلة إلى الله بهذا الاعتبار فهو كافر حقًّا، فإنه نفى رسالته التي هي أصل الإيمان.

الحادي عشر: قوله: (وهذا نفي لوصف من أوصاف الكمال الثابتة له - صلى الله عليه وسلم -).

فيقال له: لا نسلم أن هذا نفي لشيء من صفات الكمال؛ بل ولا نفي لشيء موجود، بل هو نفي لشيء منتف في نفس الأمر.

ويقال له: ثانياً: هذا الوصف عندك ثابت لآحاد الناس؛ بل (3) قولك يقتضي أنه ثابت لكل مخلوق، وما ثبت لآحاد الناس لم يكن من خصائص الرسل التي تعد من كمالاتهم، فلا يقول عاقل: إن ما شاركه (4) فيه عامة


(1) كذا في (ف) و (د) و (ح) وفي الأصل (لا).
(2) في (د) مجرد.
(3) في الأصل (قرد)، وفي (ف) (قود) ويظهر أنها زيادة، وليست في (د) و (ح).
(4) في (د) شارك بدون (هاء).

<<  <  ج: ص:  >  >>