<<  <  ج: ص:  >  >>

وكذلك الاستهزاء بالآيات، وأيضاً فإن الاستهزاء بهذه الأمور متلازم، فإن من استهزأ بآيات الله التي جاء بها الرسول فهو مستهزئ بالرسول ضرورة، ومن استهزأ بالرسول فهو مستهزئ برسالته حقيقة، ومن استهزأ بآيات الله ورسوله فهو مستهزئ به (1)، ومن استهزأ بالله فإنه مستهزئ بآياته ورسوله بطريق الأولي، وأما الذين نزلت فيهم هذه الآية فقد [نزلت في المنافقين في غزوة تبوك] (2).

لكن هؤلاء الضالون أولى بالدخول في الاستهزاء بالله وبآياته ورسوله من منازعيهم، فإن كانت الآية تتناول المتأولين من أهل القبلة كانوا أحق بالدخول، وإن لم تتناول المتأولين كان منازعوهم أحق بالخروج منها لو كانوا مخطئين، وأما [مع] (3) كونهم مصيبين فلا وجه لتناول الآية لهم، وذلك أن هؤلاء الضالون مستخفون بتوحيد الله، يعظمون دعاء غيره من الأموات (4)، وإذا أمروا بالتوحيد ونهوا عن الشرك استخفوا به، كما أخبر تعالى عن المشركين بقوله {وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (41) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (42)} [الفرقان: 41 - 42]، فاستهزءوا بالرسول لما نهاهم عن الشرك، وقال تعالى عن المشركين: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (36)} [الصافات: 35، 36] قال (5) تعالى: {بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (37)} [الصافات: 37]، وقال تعالى عن المشركين: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (7)} [ص: 4 - 7]، وقالت عاد لهود -عليه السلام-: {يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ


(1) في (ف) زاد الناسخ حقيقة ثم شطبها.
(2) بياض في جميع النسخ؛ في الأصل و (ف) بمقدار سبع كلمات؛ وفي (د) و (ح) بمقدار كلمتين، وما بين المعقوفتين هو ما يتطلبه السياق، وانظر: سبب نزول الآية في تفسير الطبري 5/ 409.
(3) كذا في (ف) و (د) و (ح)، وسقطت من الأصل.
(4) في (د) الأمور.
(5) في (ف) الله.

<<  <  ج: ص:  >  >>