<<  <  ج: ص:  >  >>

وقالوا (1): الله غني وآلهتنا فقيرة (2)، فيفضلون ما يجعل لغير الله على ما يجعل لله، وهكذا (3) الوقوف والنذور التي تبذل عندهم للمشاهد أعظم (مما تبذل) (4) عندهم للمساجد ولعمارة المساجد وللجهاد في سبيل الله.

وهؤلاء إذا قصد أحدهم القبر الذي يعظمه يبكي عنده ويخضع ويدعو ويتضرع، ويحصل له من الرقة والتواضع والعبودية وحضور القلب، ما لا يحصل له مثله في الصلوات الخمس والجمعة وقيام الليل وقراءة القرآن، فهل هذا (إلا من) (5) حال المشركين المبتدعين لا الموحدين المخلصين المتبعين لكتاب الله ورسوله!! ومثل هذا إذا سمع أحدهم سماع (6) الأبيات يحصل له من الخضوع والخشوع والبكاء ما لا يحصل له مثله عند سماع آيات الله، فيخشع عند سماع المبتدعين المشركين ولا يخشع عند سماع المخلصين المتقين، بل إذا سمعوا آيات الله استثقلوا (7) بها وكرهوها واستهزؤوا بها وبمن يقرؤها، مما يحصل لهم به أعظم نصيب من قوله: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65)} [التوبة: 65].

وإذا سمعوا القرآن سمعوه بقلوب لاهية وألسن لاغية كأنهم صم وعمي، واذا سمعوا الأبيات حضرت قلوبهم وسكنت ألسنتهم وسكنت حركاتهم حتى لا يشرب العطشان منهم الماء (8).

ومن هؤلاء من إذا كانوا في سماعهم فأذَّن المؤذن قالوا: نحن في شيء أفضل مما دعانا إليه، ومنهم من يقول: هذا في شغله وهذا في شغله، ومنهم من يقول: كنا في الحضرة فإذا قمنا إلى الصلاة صرنا على الباب.

وقد سألني بعضهم عمن قال ذلك من هؤلاء الشيوخ الضلال؟ فقلت: صدق كان في حضرة الشيطان فصار على باب الله، فإن البدع والضلالة فيها


(1) في (ف) إن.
(2) في (د) فقراء.
(3) في الأصل و (ف) (هؤلاء) وهي زيادة ولا حاجة لها في المعنى.
(4) ما بين القوسين في (د) مبذول.
(5) ما بين القوسين في (د) الأمر إلا.
(6) سقطت من (د) و (ح).
(7) في (د) اشتغلوا.
(8) انظر: وصف ابن القيم لحالهم في كتابه: إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان 1/ 344 - 347.

<<  <  ج: ص:  >  >>