<<  <  ج: ص:  >  >>

من حضور الشيطان ما قد حصل في غير هذا الموضع، والذين يجعلون دعاء الموتى من الأنبياء والأئمة والشيوخ أفضل من دعائهم الله أنول متعددة: منهم من يقدم [دعاءهم] (1)، ومنهم من يحكي أنواعاً من الحكايات: حكاية أن بعض المريدين استغاث بالله فلم يغثه فاستغاث بشيخه فأغاثه، وحكاية أن بعض المأسورين في بلاد العدو دعا الله فلم يخرجه، فدعا بعض المشايخ الموتى فجاءه فأخرجه إلى بلاد الإسلام، وحكاية أن بعض الشيوخ قال لمريده: إذا كانت لك حاجة فتعال إلى قبري، وآخر قال: فتوسل بي، وآخر قال: قبر فلان الترياق المجرب، فهؤلاء وأشباههم يرجحون هذه الأدعية الشركية على أدعية المخلصين لله مضاهاة لسائر المشركين، وهؤلاء تتمثل لكثير منهم صورة شيخه الذي يدعوه فيظنه إياه أو ملكاً على صورته، وإنما هو شيطان أغواه كما قد بسط في موضعه (2).

ومنهم من إذا نزلت به شدة لا يدعو إلا شيخه، ولا يذكر إلا اسمه قد لهج به كما يلهج الصبي بذكر أمّه، فيتعسر أحدهم فيقول: يا فلان، وقد قال الله -تعالى- للموحدين {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} [البقرة: 200].

ومن هؤلاء من يحلف بالله ويكذب؛ ويحلف بشيخه وإمامه فيصدق ولا يكذب، فيكون شيخه عنده أعظم في صدره من الله، وقد قال شعيب: {يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ} [هود: 92]، وقد قال تعالى: {لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ} [الحشر: 13]، وقال تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108]، وقال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} الآية [البقرة: 165].

فإذا كان دعاء الموتى مثل الأنبياء والصالحين عندهم يتضمن مثل هذا الاستهزاء بالله وآياته ورسوله فأي الفريقين أحق بالاستهزاء بالله وآياته


(1) كذا في (د) و (ح) وسقطت من الأصل و (ف).
(2) انظر: "مصباح الظلال المستغيثين بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في اليقظة والمنام"، لابن النعمان المالكي، فهو مليء بمثل هذه القصص، وكتاب "شواهد الحق" للنبهاني ص 242، وكتاب إتحاف الأذكياء بجواز التوسل بالأنبياء والأولياء، لعبد الله بن محمد الحسيني ص 40، وما بعدها الطبعة الثانية 1405 هـ وغيرها.

<<  <  ج: ص:  >  >>