<<  <  ج: ص:  >  >>

ورسوله!! من كان يأمر بدعاء الموتى والاستغاثة بهم مع ما يترتب على ذلك من الاستهزاء بالله وآياته ورسوله، أو من كان يأمر بدعاء الله وحده لا شريك له كما أمرت رسله، ويوجب طاعة الرسول ومتابعته في كل ما جاء به، وأيضاً فإن هؤلاء الموحدين من أعظم الناس إيجاباً لرعاية جانب الرسول، تصديقاً له فيما أخبر، وطاعة له فيما أمر، واعتناء بمعرفة ما بعث به، والتمييز بين ما روي عنه من الصحيح والضعيف والصدق والكذب، واتباع ذلك دون ما خالفه عملاً بقوله تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} [الأعراف: 3].

وأما أولئك الضُلال أشباه المشركين النصارى فعمدتهم إما أحاديث ضعيفة أو موضوعة، أو منقولات عمن لا يحتج بقوله، إما أن يكون كذباً عليه وإما أن يكون غلطاً منه، إذ هي نقل غير مصدق عن قائل غير (1) معصوم، وإن اعتصموا بشيء مما ثبت عن الرسول حرفوا الكلم عن مواضعه وتمسكوا بمتشابهه وتركوا محكمه، كما (2) النصارى.

وكما فعل هذا الضال أخذ لفظ الاستغاثة؛ وهي تنقسم إلى الاستغاثة بالحي والميت؛ والاستغاثة بالحي تكون فيما يقدر عليه وما لا يقدر عليه؛ فجعل حكم ذلك كله واحداً، ولم يكفه حتى جعل السؤال بالشخص من مسمى الاستغاثة أيضاً، ولم يكفه ذلك [حتى] (3) جعل الطالب منه إنما طلب من الله لا منه، فالمستغيث به مستغيث بالله، ثم جعل الاستغاثة بكل ميت من نبي وصالح جائزة، واحتج على هذه الدعوى العامة الكلية -التي أدخل فيها من الشرك والضلال ما لا يعلمه إلا ذو الجلال- بقضية خاصة جزئية، كسؤال الناس للنبي - صلى الله عليه وسلم - في الدنيا والآخرة أن يدعو الله لهم؛ وتوجههم إلى الله بدعائه وشفاعته، ومعلوم أن هذا الذي جاءت به السنة حق لا ريب فيه، لكن لا يلزم من ذلك ثبوت جميع تلك الدعاوى العامة وإبطال نقيضها، إذ الدعوى الكلية لا تثبت بمثال جزئي لا سيما مع الاختلاف والتباين.


(1) (غير) سقطت من (ف).
(2) في (د) يضل.
(3) كذا في (د) و (ح)، وسقط من الأصل و (ف).

<<  <  ج: ص:  >  >>