فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وروى مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لم يكذب إبراهيم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا ثلاث كذبات ... الحديث" (1)، مع أن الثلاث وجه المجاز فيها ظاهر صحيح، قوله: إنه سقيم، باعتبار الاستقبال؛ ولا بد لكل بشر أن يسقم غالباً ولو بمقدمات الموت؛ مع جواز اطلاعه على ذلك أو بتأويل القابلية (2)، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا، وجه المجاز أنه سبب للتكسير الذي وقع؛ لما فيه من التصوير المنكر، أو تهكم يؤيده قوله: {فَسْأَلُوهُمْ}، وأما الكلمة في سارة فقد صرح بالمعنى إذ قال لها: أخبرته أنك أختي فإنك أختي في [الإسلام] (3).

وحديث المحاجة وإن احتمل أن لا يكون في دار التكليف، فنحن نعلم أنهم لا يقابلون بعضهم بعضاً بما يرونه خلاف الأدب منهم، وكل هذه الأمور لا ينقاس بها معهم من دونهم، فربما كان الشيء من المثيل أو المساوي أدباً أو أمراً محتملاً؛ ولا يكون ممن دونه كذلك، فليحفظ الناظر موقع الحكمة في أحكام المراتب في الأشخاص والأفعال والأقوال وسائر الأحوال).

والجواب من وجوه، أحدها: أن يقال: هذا الكلام لا يدل على مورد النزاع، فإن أحداً لم يقل إن حكم النبي مع النبي أو مع الملك حكم من هو دونه؛ ولا حكم بعض الأنبياء حكم بعض بل ولا الملائكة، قال تعالى: {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ} [الإسراء: 55]، وقال تعالى عن الملائكة: {وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (164)} [الصافات: 164]، وقال: {كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21)} [الإسراء: 20، 21].

ولكن ليس في ثبوت أفضليتهم على من دونهم وعدم مساواتهم لهم في كل شيء أنهم لا يشاركونهم في شيء من الأحكام؛ بل الأصل عند جماهير السلف والخلف أن ما ثبت في حق النبي من الأحكام ثبت في حق الأمة، ما لم يقم دليل على التخصيص، فما وجب عليه وجب عليهم وما حرم عليه حرم


(1) أخرجه البخاري في (كتاب الأنبياء، باب من فضائل إبراهيم - صلى الله عليه وسلم -) رقم 2371، 4/ 1840، واللفظ له من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، وقد سبق تخريج بعض ألفاظه. انظر: ص 389.
(2) (د) القائلية.
(3) كذا في (ف) و (د) و (ح)، وفي الأصل (إسلام).

<<  <  ج: ص:  >  >>