فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

من مثل يونس؛ كجر رأس هارون ولحيته (1)؛ وإلقاء الألواح (2)؛ ولطم عين ملك الموت؛ ومعاتبة ربه ليلة المعراج في رفع محمد - صلى الله عليه وسلم - (3) ونحو ذلك، لما كان له من عظيم المجاهدة مع فرعون وقومه، ولما كان له من عظيم المنزلة عند ربه، وحينئذٍ فإذا كان هذا سائغاً لبعض الأنبياء لا يسوغ لهم كلهم، لم يكن مما نحن فيه.

الوجه الخامس: أن يقال (4): الناس لهم في جواز وقوع الذنب من الأنبياء قولان، فالسلف والأكثرون يقولون بجواز ذلك، وإن كانوا معصومين عن الإقرار عليه، وكثير من الناس منع ذلك بالكلية، وكل من الفريقين يقول: إنه قد يخصّ بعض الأنبياء بأمر لا يشركه فيه جميع الأنبياء والمؤمنين، وحينئذٍ فقول موسى لآدم -عليه السلام- ما قال؛ إما أن يكون مما أقر عليه أو لا يكون مما أقر عليه، فإن قيل بالأول، وقيل: إنه مختص به أو بأمثاله من الرسل فلا كلام، وإن قيل: إنه سائغ لجميع الأنبياء فلا بد من دليل على أنه من خصائصهم، وإن قيل: إنه لم يقر عليه، وهو [الأظهر] (5) فإن آدم أجابه عن ذلك؛ وبيّن له أن هذا الذي جرى عليكم كان مقدوراً عليكم مكتوباً عليكم؛ فحج آدم وموسى، وإذا كان موسى محجوجاً، كان موسى قد عرف أنه لا حجة له على آدم، وأنه (6) لم يكن له أن يعاتبه على ذلك، فيكون موسى رجع عن هذا، وما رجع عنه النبي ولم يقر عليه لم يُقْتد به باتفاق المسلمين، كالمنسوخ وأولى.

وكذلك لطمه لملك الموت إن كان مأذوناً له فيه أو معفوًا عنه؛ وهو من


(1) يشير إلى قوله تعالى: {قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94)} [طه: 94]
(2) يشير إلى قوله تعالى: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ} [الأعراف: 150].
(3) يشير إلى ما أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب قوله: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} 5/ 1344 رقم 7517 عنه- صلى الله عليه وسلم - لما علا فوق السماء السابعة قال موسى: "ربِّ لم أظن أن ترفع علي أحدًا ... الحديث".
(4) في (د) هم (زيادة).
(5) كذا في (ف) و (د) و (ح)، وفي الأصل (أظهر).
(6) في (د) أن.

<<  <  ج: ص:  >  >>