فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والشهادة والإفتاء ونحو ذلك باتفاق، ويجوز للمظلوم [التعريض] (1) في الأيمان وغيرها، وأما ما ليس بظالم ولا مظلوم ففيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره، قيل: يجوز له التعريض، وقيل: لا يجوز مع اليمين ويجوز بدونها (2).

فقول إبراهيم -عليه السلام-: {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89] قيل: أراد سقيم القلب من كفركم، وقوله: أختي، أراد أخته في الدين؛ كما جاء ذلك مصرحًا به في الحديث الصحيح؛ حيث قال: "فإنه ليس على الأرض مؤمن غيري وغيرك"، وقوله: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: 63]، قيل: إنه قصد [تعليقه] (3) بالشرط وهو قوله: {إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63)} (4) [الأنبياء: 63].

ومن هذا قول نائب يوسف: {إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} [يوسف: 70]، فإن يوسف أمره بالنداء؛ لكن نداء يوسف: سارقون ليوسف من أبيه وهو صادق فيما عناه، وما ذكره هذا الذي يلبس الحق بالباطل كحاطب ليل من التأويلات ليس مما يبنى عليه مسألتنا، فإنه ليس في شيء من ذلك أنه لا يجوز أن يخبر بما أخبر به الرسول لفظًا ومعنى، والناس قد ذكروا هذه التأويلات وغيرها، فتأويل المتأول إني سقيم أي سأسقم، إما لأن الظاهر مرضه، أو لاطلاعه على ذلك هو تأويل؛ و (5) قول غيره: أريد سقيم القلب تأويل ثان؛ وهو أقرب من كون الصفة حاضرة؛ والأول أقرب من كون السقم أراد به سقم البدن، لكن يقال: استعمال السقم والمرض في سقم القلب ومرضه هو حقيقة،


(1) كذا في (ف) و (د) و (ح)، وفي الأصل (التعرض).
(2) التعريض لغة: ضد التصريح. القاموس المحيط ص 834، واصطلاحًا: هو أن تذكر كلاماً يحتمل مقصودك وغير مقصودك، إلا أن قرائن أحوالك تؤكد حمله على مقصودك. الكليات لأبي البقاء ص 762. وقد اختلف الفقهاء في حكمه على ثلاثة أقوال كما ذكر المؤلف، والراجح -والله أعلم- فمن ليس بظالمٍ ولا مظلوم أنه لا فرق بين التعريض بيمين أو دونها، فقد حلف بعض الصحابة معرضًا وأقره النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكثير من الفقهاء لا يفرقون في حكم التعريض بيمين أو دونها. انظر: المغني لابن قدامة 11/ 244، وروضة الطالبين للنووي 11/ 82 - 81، والمحلى لابن حزم 8/ 43 - 44، وفتح الباري 10/ 725 - 726، ونيل الأوطار 10/ 149 - 150.
(3) كذا في (ف) و (د) و (ح)، وفي الأصل تعليله.
(4) انظر: الجامع لأحكام القرآن 15/ 92، وفتح الباري 6/ 482.
(5) سقطت الواو من (د).

<<  <  ج: ص:  >  >>