فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقد كانوا عند غيره (1) ممن لا أُسميه كذلك.

قال أبو سعيد: فإذا كان أولئك كذلك، فكيف بمن حدث بعدهم ممن أخذ عنهم؟ قال: ومنعني من الطبقة التي كانت بعد هؤلاء أشياء كثيرة، إلا [أن] (2) جملة ذلك وإن كانوا قوماً صالحين فاضلين فما يدرون ما كان يقول أولئك في هذه المعاني التي أشرنا إليها، ولا ما كانوا يشيرون إليه إلا بالتوهم والبلاغات وذكر كلامًا طويل (3).

قلت: الصوفية بعد هؤلاء هم على هذا الاضطراب، منهم من قال بالفرق الثاني كالجنيد وأصحابه، وهؤلاء هم المصيبون المسددون، ومنهم من نفاه، ومنهم من تردد فيه، ومنهها من قال: إنه أكبر من [المتكلم] (4) فيه، وسبب ذلك أن الإنسان يشهد أولاً الفرق حسه وعقله وهواه؛ من غير نظر إلى أن الله خالق كل شيء وهذا هو الفرق الأول، فإذا توجه إلى الله رأى أن الله خالق كل شيء، وربه ومليكه، كل ما في الوجود بمشيئته وقدرته، وهذا شهود صحيح، بحيث يغيب عن نفسه وعن غيره، ويفنى بمشهوده عن شهوده، وبمذكوره عن ذكره، وبمعروفه عن معرفته، فلا يبقى ناظراً إلا إلى توحيد الربوبية وهو أن الله خالق كل شيء.

وهذا المشهد ليس فيه تفريق بين المأمور والمحظور، ولا بين المعروف والمنكر، ولا بين أوليائه وأعدائه، ولا بين المؤمنين والكفار، ولا بين ما يلائم الإنسان وما يخالفه، وهذا لا يتصور أن يدوم بقاء العبد فيه، فإن نفسه لا بد أن تفرق بين ما يلائمها وبين ما يضرها، كما تفرق بين [الخبز


(1) في (ف) و (ح) (غير قبره).
(2) كذا في (ف) و (د) و (ح)، وفي الأصل (ن) سقطت الهمزة.
(3) قال الذهبي في السير 15/ 409 - 410 عن الصوفية: والله دققوا وعمقوا، وخاضوا في أسرار عظيمة ما معهم على دعواهم فيها سوى ظن وخيال، ولا وجود لتلك الأحوال من الفناء والمحو والصحو والسكر؛ إلا مجرد خطرات ووساوس، ما تفوه بعباراتهم صديق، ولا صاحب، ولا إمام من التابعين، فإن طالبتهم بدعاويهم مقتوك، وقالوا: محجوب، وإن سلمت لهم قيادك تخبط ما معك من الإيمان، وهبط بك الحال على الحيرة والمحال، ورمقت العباد بعين المقت، وأهل القرآن والحديث بعين البعد، وقلت: مساكين محجوبون. فلا حول ولا قوة إلا بالله. أ. هـ.
(4) كذا في (ف) و (د) و (ح)، وفي الأصل (التكلم).

<<  <  ج: ص:  >  >>