فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يشهد أن لا إله إلا الله، فيعلم أن الله هو المعبود دون ما سواه، وأنه أرسل الرسل يأمرون الناس بطاعته وينهونهم عن معصيته، ومن لم يشهد هاتين الشهادتين لم يكن مسلماً، وأما مجرد رؤية الله خالق كل شيء فهذا كان (1) يقر به المشركون عباد الأصنام , فمن وقف في الجمع لا يفرق بين مأمور ومحظور لم يكن مسلمًا فضلًا عن أن يكون وليًّا لله -تبارك وتعالى-، لكن هؤلاء يقولون نحن نثبت الفرق العائد إلى حظ الإنسان، بأن فعل المأمور سبب للثواب وفعل المحظور (2) سبب للعقاب، والثواب والعقاب حظ للعبد، والكامل الخالي [عن] (3) حظوظه الذي لا يريد إلا ما يريد ربه هو صاحب الفناء، وهو الذي لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة، فالفرق لا يعود إلى الله ولا إلى صاحب الفناء.

وأصل غلط هؤلاء [أنهم] (4) لم يثبتوا لله إلا الإرادة العامة المتناولة لكل مقدور (5) ومعلوم أنه لو كان الأمر كذلك لكان الفرق سببًا بالنسبة إلى الله، لكن هذا غلط من المثبت لملة إبراهيم ودين الرسل، كما قد بسط في غير هذا الموضع.

وكثير من هؤلاء قد التبس عليهم هذا الموضع وهم متناقضون فيه، فإن الجمع العام لا يتصور أن يقوم فيه أحد دائماً، بل لا بد إن كان مسلمًا أن يوجب ما أوجبه الله ورسوله؛ ويحرم ما حرمه الله ورسوله، وإلا لم يكن مسلماً، فلا بد من فرق بحسب دينه، وإذ لم يكن له دين فرق بحسب هواه وطبعه، فمن لم يفرق فرقاً رحمانياً فرق فرقاً نفسانياً وشيطانياً، ومن لم يفرق فرقاً شرعياً فرق فرقاً [طبعياً] (6)، وقول أبي سعيد ابن الأعرابي ومن وافقه: إن هذا الفرق عين من عيون الجمع يتوهمون به أنهم قد خرجوا عن الجمع، وإنما هو [أحد] (7) عيون الجمع، يعني به -والله أعلم- أن شاهد الفرق ما


(1) في (ف) (لما كان)، وفي (د) ما كان.
(2) كذا في الأصل و (ح)، وفي (ف) و (د) المحذور.
(3) كذا في (ف) و (د) و (ح)، وفي الأصل (من).
(4) كذا في (ف) و (د) و (ح)، وفي الأصل (لأنهم).
(5) والإرادة نوعان: إرادة كونية قدرية، وإرادة شرعية، وقد سبق بيان هذه المسألة.
(6) كذا في (د) و (ف) و (ح)، وفي الأصل (طبيعياً).
(7) كذا في (د) و (ح) , وفي الأصل و (ف) (حد).

<<  <  ج: ص:  >  >>