فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أمر الله به ونهى عنه مع مشاهدته بذلك، وتوحيد الإلهية بأن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ومحبته لما أمر الله به وبغضه لما نهى الله عنه، فهو يشهد أن الله رب ذلك كله، وأنه الذي جعل المسلم مسلماً، وجعل آل إبراهيم أئمة يدعون إلى الخير، وآل فرعون أئمة يدعون إلى النار، فهو في هذا الفرق؛ يشهد الجمع، ويشهد -مع ما قام بقلبه من الفرق بين المأمور والمحظور- أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وأنه هو الذي جعله يعبده ويطيعه، وهو المَانّ عليه بذلك، لا يكون كمن يشهد الفرق بين الطاعة والمعصية، ولم يشهد أن الله هو الذي مَنّ عليه بالطاعة ويسَّرها عليه.

فشهود الجمع [بلا] (1) فرق يورث تعطيل الأمر والنهي، حتى لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة، وشهود الفرق بلا جمع يورث تعطيل التوكل والشكر، وبورث العجب وتعظيم النفس، [وكلا] (2) هما نقص عما تحت الجمع من عبودية الله -تعالى- ومن تحقق قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} [الفاتحة: 5]، فلا بد من الفرق في عين الجمع، [ومن الجمع] (3) في شهود الفرق، وأيضًا فإن الله -تعالى- مع خلقه لكل شيء بمشيئه وقدرته؛ فهو يحب ما أمر به ويرضاه ويبغض ما نهى عنه ويسخطه، فلا بد مع شهود المشيئة العامة من شهود المحبة والرضا الخاص.

وكثير من الناس القدرية [و] (4) الجهمية الجبرية ومن دخل معهم في التصوف جعلوا الإرادة نوعاً واحداً، وجعلوها هي المحبة والرضا، قالت القدرية: والله لا يحب الكفر والفسوق والعصيان، فيكون في ملكه ما لا يشاء ولم يخلقه، وقالت الجهمية: بل كل ما وقع فهو بمشيئة الله، والمشيئة هي الإرادة وهي المحبة والرضا؛ فكل ما وقع فإنه يحبه ويرضاه، ولكن يريد ويحب ويرضى المأمور به مأموراً به دينًا يثيبْ (5) عليه، ويريد ويحب ويرضى المنهي


(1) كذا في (ف) و (د) و (ح)، وفي الأصل (بل).
(2) كذا في (ف) و (د) و (ح)، وفي الأصل (كل).
(3) كذا في (ت) , وسقطت من جميع النسخ.
(4) سقطت الواو من جميع النسخ، وهي في (ط)، وما بعدها يدل على أن المؤلف يتكلم عن فرقتين.
(5) في (ف) بدون نقط.

<<  <  ج: ص:  >  >>