للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فمن هو الراشي الملعون؟ هو الذي يدفع الرشوة، ونسينا أن نقول: الرشوة: ما يقدم بين يدي الحكم ليتوصل به المعطي إلى مراده، مأخوذة من الرشاء، والرشاء: هو الحبل الذي ينزل إلى البئر ليفرع الماء منه، فهذه الرشوة من جنس الحبل الذي يكون في الدلو وينزل في البئر لأجل استخراج الماء منه، أما المرتشي فواضح.

ففي هذا الحديث: دليل على تحريم الرشوة في الحكم على الآخذ وعلى المعطي، لكن ما هي الرشوة المحرمة التي يلعن فاعلها؟ هي التي يريد الراشي بها أن يحكم له بالباطل إما بتحقيق دعواه وإما بتحقيق إنكاره، دعواه أن يقول: أنا أدعي على فلان بألف ريال فيعطي القاضي قبل الجلوس للخصومة، يعطيه عشرة ريالات لأجل أن يحكم له بدعواه.

والثاني: رشوة لإنكار ما يجب عليه، بأن يقول: فلان يدعي علي بكذا وكذا، فيعطي القاضي رشوة من أجل أن يحكم بإنكاره، وهذا شرط أن يكون بالباطل، بمعنى: أن يدفع عنه ما ادعي عليه أو يصدقه فيما أنكر مما ادعي عليه، هذه هي الرشوة المحرمة، أما إذا كانت الرشوة للوصول إلى حق فهذه حرام على الآخذ حلال للمعطي، لأن هذا المعطي لم يظلم أحدا، ولكن يدفع الظلم عن نفسه. فإذا وجدنا قاضيا نعلم أنه لم يحكم بالحق إلا برشوة، وجاء المحق فأعطى القاضي شيئا ليحكم له بالحق فهذا لا بأس به؛ لأنه هنا لم يبطل حقا لغيره ولم يثبت باطلا لنفسه فهو محق، ويكون الإثم على الآخذ، هكذا قال العلماء -رحمهم الله- وهو حق.

وهل يلحق بالحاكم من سواه ممن يتولى أمور الناس؟ الظاهر: نعم، أو الظاهر: نعم، إن نظرنا إلى هذا يتفق مع الرشوة في الحكم بأنه في تقديم الناس بعضهم على بعض، والظاهر: لا؛ لأن الرشوة في الحكم تؤدي إلى تغيير الحكم الشرعي بخلاف الحقوق الأخرى، وتغيير الحكم الشرعي ليس بالأمر الهين؛ لأنه ربما يقتدي بهذا القاضي، لاسيما إذا كان القاضي مشهورا بالعلم فربما يأتي قاض آخر ويحكم بهذه القضية بمثل ما حكم به القاضي الذي أخذ الرشوة، وحينئذ يكون فيه تغيير للشرع.

والظاهر لي: أن الرشوة في غير الحكم لا تدخل في اللعن، وذلك لأن الحاكم يسند هذا

<<  <  ج: ص:  >  >>