للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

من تكلم، "فهو كمثل الحمار"، واقترنت الفاء بالجواب، لأن الجملة اسمية، وقوله: "كمثل الحمار" يُحتمل أن تكون بمعنى صفة، ويُحتمل أن تكون بمعنى: شبهًا كشبه الحمار، أو كصفة الحمار، فـ"مثل" تأتي بمعنى صفة كقوله تعالى: {مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير أسن} [محمد: ١٥].وتأتي بمعنى شبه، كقوله تعالى: {مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا} [البقرة]. أي: شبههم كشبه هذا فقوله هنا: "كمثل الحمار" يحتمل أن يكون كشبهه ويحتمل أن يكون كصفته، والمعنى واحد، لكنه يختلف المعنى في الآيتين اللتين ذكرناهما.

وقوله: "كمثل الحمار يحمل أسفارًا" كلمة "يحمل" الجملة هنا هل صفة أو حال؟ قد يقول قائل: إنها حال، لأن الذي قبلها معرفة، ولكنهم قالوا: إنها في مثل هذا صفة؛ لأن "أل" هنا للجنس فهو بمعنى النكرة، أي: كمثل حمار يحمل أسفارًا، ومثل ذلك قول الشاعر: [الكامل]

ولقد أمرُّ على اللّئيم يسبني ... فمضيت نمَّت قلت لا يعنيني

فجملة "يسبني" صفة؛ لأن المعنى: ولقد أمر على لئيم، وليس المعنى: أمرُّ على اللئيم المعروف، فلما كانت "أل" هنا للجنس صار مدخولها بمنزلة النكرة.

وقوله: "كمثل الحمار يحمل أسفارًا" الأسفار جمع سفر، أو سفر وهو الكتاب، والحمار الذي يحمل أسفارًا لا يستفيد منها، هو حامل ما يفيد لكنه لا يستفيد، واختار النبي- عليه الصلاة والسلام- الحمار كما اختاره ربه- سبحانه وتعالى- في صفة الذين حُمّلوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار؛ لأن الحمار من أبلد الحيوانات، ولهذا يُضرب به المثل في البلادة.

وقوله: "كمثل الحمار يحمل أسفارًا" أين وجه المشابهة؟ قد تقدم لنا في علم البيان: أن التشبيه لا بد له من مشبّه، ومشبه به، وأداة تشبيه، ووجه الشبه، وقد تحقق في هذه الجملة "كمثل الحمار يحمل أسفارًا" كل أطراف التشبيه إلا وجه الشبه؛ لأنه قد ذكر المشبه والمشبه به والأداة، "كمثل الحمار" ولكن وجه الشبه محذوف والتقدير: في عدم الانتفاع بالخطبة التي الآن تقرأ فوقه- يعني: فوق رأسه وهو حاضر لكنه لا ينتفع بها- كما لا ينتفع الحمار بالأسفار.

قال: "والذي يقول له: أنصت، ليست له جمعة" "الذي" هذه مبتدأ والواو للاستئناف، و"الذي" اسم موصول، وجملة "يقول" صلة الموصول، و"ليست له جمعة" خبر الذي، "الذي يقول له أنصت" ليست بمعنى: اسكت، "أنصت" يعني: أصغ إلى كلام الخطيب؛ لأن عندنا سكوتًا واستماعًا

<<  <  ج: ص:  >  >>