<<  <   >  >>

[المبحث الأول: البذور الأولى]

لم يخلُ عصرٌ مِمّن تفيهَقَ وتحذلَقَ بالنّكير على أحاديثِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وإنّ هذه السَّوأةَ عُرِفَت من صدرِ الإسلام الأول؛ حيثُ وُجِدَ أشخاصٌ متفرّقون اعترضوا على مرويّاتٍ بلغتهم، وأحكامٍ نبويةٍ وصلتهم، وتصدّوا لها بعقل يزعمونَه، ومنطقٍ يدّعونَه.

فها هي أم المؤمنين عائشةُ رضي الله عنها تسألها امرأةٌ: أتجزي إحدانا صلاتَها إذا طهُرت؟ فقالت: أحرورية أنت؟ كنا نحيض مع النبي صلى الله عليه وسلم فلا يأمرنا به، أو قالت: فلا نفعله (1).

وفي واقعةٍ أخرى وردَ أنّ سيدنا عمرانَ بن حصين رضي الله عنه (2) قال له رجل: يا أبا نجيد، إنكم لتحدثوننا بأحاديث ما نجد لها أصلاً في القرآن.

فغضب عمرانُ وقال للرجل: أوجدتُم في كلِّ أربعين درهماً درهم، ومن كلّ كذا وكذا شاة شاة، ومن كل كذا وكذا بعيراً كذا وكذا، أوجدتُم هذا في القرآن؟ قال لا.

قال: فعن من أخذتُم هذا؟ أخذتُموه عنّا، وأخذناه عن نبي الله صلى الله عليه وسلم، وذكر أشياء نحو هذا (3).

وفي روايةٍ أنّ عمرانَ رضي الله عنه ذكر الشفاعة، فقال رجل من القوم: يا أبا نجيد، إنكم تحدثوننا بأحاديثَ لم نجد لها أصلاً في القرآن، فغضب عمرانُ رضي الله عنه وقال للرجل: قرأت القرآن؟ قال: نعم.


(1) أخرجه البخاري في «صحيحه» ـ واللفظ له ـ برقم (321).
وأخرجه مسلم في «صحيحه» برقم (761)، وأخرجه أحمد في مواضعَ من «مسنده» أولها برقم (24036).
(2) عمران بن حصين الخزاعي من أهل العلم من الصحابة. أسلم عام خيبر (سنة 7 هـ)، وكانت معه راية خزاعة يوم فتح مكة. بعثه عمر إلى أهل البصرة ليفقههم، وتوفي بها سنة (52 هـ).
يُنظَر لترجمته: «معرفة الصحابة» لأبي نعيم 4/ 2108 الترجمة (2204)، «الإصابة في تمييز الصحابة» 5/ 26 - 27 الترجمة (6005).
(3) أخرجه أبو داود في «سننه» برقم (1561)، وأخرجه الحاكم في «المستدرك» برقم (372) باختلاف.

<<  <   >  >>