للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الفرقة الخامسة: وهم الذين توسطوا في البحث فجمعوا بين المعقول والمنقول، وجعلوا كل واحد منهما أصلاً مستقلاً، وأنكروا أن يتعارض العقل والنقل، وذلك لأن من كذب العقل فقد كذب الشرع، إذ بالعقل عرف صدق الشرع، ولولا صدق العقل لما عرف الفرق بين النبي والمتنبي، والصادق من الكاذب، وكيف يكذب العقل بالشرع، وما ثبت الشرع إلاَّ بالعقل (١).

قلت: وقد اعتبر الإِمام الغزالي أصحاب هذه الفرقة الخامسة هم المحقون الذين نهجوا منهجاً قويماً فراح يوصيهم بأن لا يكذبوا برهان العقل أصلاً، فإن العقل لا يكذب، ولو كذب فلعله كذب في إثبات الشرع، إذ به عرفنا الشرع، فكيف يعرف صدق الشاهد بتزكية المزكي الكاذب والشرع شاهد بالتفاصيل، والعقل مزكي الشرع (٢).

قلت: وإذا رجعنا إلى كتاب "قانون التأويل" لابن العربي، نراه قد حذا حذو شيخه في الكلام على التأويل والخائضين فيه فقال:

"إن العقل والشرع إذا تعارضا، فإنما ذلك في الظاهر بتقصير الناظر، وقد يظهر للناظر المقصر أن يجعل الشرع أصلاً فيرد إليه العقل.

وقد يرى غيره أن يجعل العقل أصلاً فيردّ الشرع إليه.

وقد يتوسط آخر فيجعل كل واحد منهما أصلاً بنفسه.

فالناظر الذي قدم المعقول، سيأتيه من ظاهر الشرع ما يقلب حقيقة الشرع، ولا سبيل إليه.

والذي يجعل العقل أصلاً، والشرع تبعاً، إن أخذه كذلك مطلقاً، ورد ما ينكره القلب ببادىء الرأي في مورد الشرع بما يستحيل في العقل، فإن وقف في وجه الشرع فهو مكذب، وإن قال بما في الشرع فهو متناقض، وإن


(١) اعتمدت في نقل كلام الإِمام الغزالي على رسالة "قانون التأويل" (ط: الكوثري) ١ - ٤ مع تصرف يسير.
(٢) م، ن: ١٠.

<<  <   >  >>