للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

عمَّ بلادَ العربِ كُلَّها. وهذا النقلُ فضلا عن كونه مضرًا، خلافُ الواقع. وقد مر مني عن ابن حَزْم: أنه لم يرتدَّ إلا شِرْذِمةٌ قليلةٌ منهم، نعم قالوا: لا نؤدي الزكاة إلى أبي بكرٍ رضي الله عنه، فقال بعضهم: إن أمر الدعاء كان مختصًا بالنبيِّ صلى الله عليه وسلّم كما في قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} [التوبة: ١٠٣]، وليس ذلك لأحدٍ بعدَه، ومن تكونُ صلاتُه سكنًا لهم بعدَه؟.

والحاصل: أنهم أبَوْا أن يؤدوا زكاة أموالهم إليه، وأن يجعلوه أميرًا، بل قالوا: منا أمير،


= والصِنف الآخر هم الذين فَرَّقوا بين الصلاة والزكاة، فأقروا بالصلاة وأنكروا فرضَ الزكاة، ووجوب أدائها إلى الإِمام، وهؤلاء على الحقيقة أهلُ بغي، وإنما لم يدعوا بهذا الاسم في ذلك الزمان، خصوصًا لدخولهم في غِمار أهل الرِّدة، فأُضيفَ الاسمُ في الجملةِ إلى الردة إلى آخره.
قال الخطَّابي: وفي أمر هؤلاء عَرَضَ الخلافُ، ووقعت الشبهة لعمر رضي الله عنه، ثم ذكر من خلافهم ما كان، وهذا كما ترى.
فالصواب أن الارتدادَ لا يظهرُ إلا في طوائف، كما حققه ابن حَزم في "الملل والنحل" وهذا الذي يعلقُ بالقلب، ثم إني قلَّبتُ الأوراقَ لهذا النقل، وحدَّقتُ الأحدَاقَ فلم أجده إلا بعد مكابدةٍ شديدةٍ فخذه راضيًا مرضيًا، وأشركني في الدعوات:
قال أبو محمد علي بن حزم في -الكلام في بعض اعتراضات للنصارى- من الجزء الثاني، من كتابه "الملل والنحل" ص ٦٦: ومن انقسام العرب، ومَنْ باليمن من غيرهم أربعةُ أقسام إثرَ موته عليه الصلاة والسلام:
فطائفةٌ ثبتت على ما كانت عليه من الإِسلام، لم تبدل شيئًا، ولزمت طاعةَ أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وهم الجمهور والأكثر.
وطائفة بقيت على الإِسلام أيضًا، إلا أنهم قالوا: نقيم الصلاة، وشرائع الإِسلام، إلا أنَّا لا نؤدي الزكاة إلى أبي بكر رضي الله عنه، ولا نعطي طاعة لأحد بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان هؤلاء كثير، إلا أنهم دون من ثبت على الطاعة.
وبين هذا قول الحُطَيئة العَبسي:
أطعنا رسول الله إذ كان بيننا ... فيا لهفنا ما بال دين أبي بكر؟!
أيورثها بكرًا -إذا مات- بعده؟ ... فتلك لعمر الله قاصمة الظهر،
وأن التي طالبتم، فمنعتُم ... لكالتمر، أو أحلى لديَّ من التمر
يعني الزكاة، ثم ذكر القبائل الثابتة على الطاعة، فقال:
فبإِست بني سعد، وأستاه طيىء ... وبإِست بني رودان حاشا بني الحضر
قال أبو محمد: لكن والله بأستَاهِ بني النَّضر، وبأستِ الحُطَيئة، حلت الدائرة، والحمد لله رب العالمين.
وطائفة ثالثة أعلنت بالكفر والرِّدة، كأصحابُ طُليحة، وسجاح، وسائر من أرتد، وهم قليل بالإِضافة إلى مَن ذكرنا، إلا أن في كل قبيلة من المؤمنين مَنْ يقاومُ المرتدين، فقد كان باليمامة ثُمَامة بن أُثال الحنفي في طوائف من المسلمين، محاربين لمُسيلمة. وفي قوم الأسود أيضًا كذلك. وفي بني تميم، وبني أسد الجمهورُ من المسلمين.
وطائفة رابعة توقفت، فلم تدخل في أحد من الطوائف المذكورة، وبقوا يتربصون لمن تكون الغَلَبة، كمالك بن نُوَيْرة وغيره، فأخرج إليهم أبو بكرٍ البُعوث، فقُتِلَ مُسيلمة، وقد كان فيروز، وذا ذوية الفارسيان الفاضلان رضي الله تعالى عنهما قتلا الأسود العَنسي، فلم يمض عام واحدٌ حتى راجع الجميعُ الإِسلام، أولهم عن آخرهم، وأسلمت سجاح، وطليحة، وغيرهم. وإنما كانت نزغةٌ من الشيطان كنار اشتعلت فأطفاها الله للوقت.

<<  <  ج: ص:  >  >>