للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

والحاصل أنا إذا وجدنا الأثَر المذكور شاذًّا، لا يتعلُق به أمرٌ من صلاتنا وصيامنا، ولا يتوقف عليه شيءٌ من إيماننا، رأينا أن نترك شَرْحَه (١)؛ وإن كان لا بدَّ لك أن تَقْتحم فيما ليس لك به علم، فقلْ على طريق أرباب الحقائق: إنَّ سَبْعَ أَرْضين لعلها عبارةٌ عن سَبْعةِ عوالم؛ وقد صحَّ منها ثلاثةٌ؛ عالم الأجسام؛ وعالم المثال؛ وعالم الأرواح، أما عالم الذِّر، وعالم النَّسمة، فقد ورد به الحديثُ أيضًا، لكنا لا ندري هل هو عالمٌ برأسه أم لا؟ فهذه خمسةُ عوالم، وأخرج (٢) نحوها اثنين أيضًا. فالشيءُ الواحِد لا يمرّ من هذه العالم إلا ويأخذ أحكامه؛ وقد ثبت عند الشَّرْع وجوداتٌ للشيء قبل وجوده في هذا العالم؛ وحينئذٍ يمكن لك أن تَلْتزم كونَ النبيِّ الواحد في عوالم مختلفةٍ بدون محذور. وسنعود إلى تفصيلِ النَّسمة أيضًا، وقد ذكرناه من قبل أيضًا.

والتُّوربِشْتي الحنفي لما مرَّ على أحاديثِ النَّسمة لم يفسره بالروح، بل وَضَع هذا اللفظَ بعينه، ففهمت منه أنه شيءٌ يُغاير الروح عنده، ولذا لا يضعُ لعفْظ الروحَ مكانه، ولا يترك هذا اللفظ، فكأَنَّه حقيقةٌ أخرى؛ فيُخْشى أن لا تتبدل تلك الحقيقةُ بِتَرْك لفظه. وقد مرَّ عليه الشاه وليُّ الله في «الطاف القُدْس»، وقال: إنَّ النَّسمة جِسمٌ هوائي سارٍ في بدن الإِنسان، محفوظٌ من التلاشي، وقال: إنه يبقى كذلك بعد الموتِ أيضًا، والله تعالى أعلم.

أما شَرْحُ حديث البخاري، فيمكنُ أن تكونَ الأَرَضُون فيه سَبْعًا، كالسَّموات، ويمكن أن تكون سَبْع طبقاتٍ، كلّ طبقة منها سُميت أرضًا، وقد ثبت اليوم عند ماهِري عِلْم الطبقات أن لها طبقاتٍ. فذكروا أنَّ هذه الأَريضة إلى ستةٍ وثلاثينَ ميلا فقط، وبعدها غاز. ونعوذُ بالله أَنْ نَفْقُوا ما ليس لنا به عِلْم. وأما مَنْ أراد به الأقاليمَ السَّبْعةَ فباطِلٌ قَطْعًا. وأجاب عنه بَعْضُهم أنه يمكنُ أن يكون المرادُ منه السَّبْعَ السياراتِ، وقد شاهدوا اليوم فيها جبالا، وبحارًا، وقناطر، وأُناسًا، وهم بصدد المكالمة معهم، وقالوا: إنَّ هذه الأرضَ في نظر سُكانِ القمر، كالقمر في نظر سُكَّان الأَرْض؛ وحينئذٍ يستقيمُ عددُ السَّبع، بل يزيدُ عليه على تحقيقهم، ولا بأس فإِنَّ الشَّرْع لم يَنْف ما فوقه (٣).


(١) وقد تعرض إليه في "آكام المرجان" شيئًا، قال بعد نَقْل الحديث المذكور: قال شيخُنا الذهبيُّ: هذا حديث على شَرْط البخاري، ومسلم رجاله أئمة، اهـ "آكام المرجان".
(٢) ومن ههنا ظهر أن الشيخَ لم يجزم إلا بوجودِ العوالم التي ورد بها السمع: نعم قد جزم بتعدُّد الوجوداتِ لشيءٍ واحد، فإِنه أيضًا ثَبَت من الأحاديث، كما مرَّت شواهِدهُ في غيرِ واحدٍ من المواضع من هذا التقرير. أما كونُ تلك العوالِم سَبْعة، فإِنما هو اعتبارٌ منه على نحو اعتبار أرباب الحقائق، تمشيةً للمقام؛ فلذا فَوَّضه إلى الناظر، وهذا هو الحق، فإِن عددَ العوالم مما لا يدخلُ فيه القياس، فلا بدَّ له مِن دليل من جهةِ الشَّرْع ليجزم به، ومَنْ لا يمعن النَّظَر في مثل هذه المواضع يأخذ، ويعترض، وينكر، فافهم، وقد مرَّ في "باب العلم والعظة من كتاب العلم".
(٣) قلت: والشيخُ لم يُرِد به التطبيقَ بين الشريعة، وما عندهم مِن مشاهداتهم، كيف! وأنَّهم يثبتون شيئًا اليوم، ثم ينكرونه غدًا؛ فهل يتبدَّل من ذلك إخبار الشَّرْع أيضًا؟ كلا، لا تبديلَ لكلمات الله، إنما أراد بذلك أنه ليس لإِنكار ما ثبت عند الشرع وَجْهٌ، فإِنَّه إذا ثبت نَحْوُه عندهم أيضًا: فلو ساغ لهم تَسْلِيمُه بعد مشاهدةِ أعْينَهم لساغ لنا أن نؤمن بما شاهدته أعينُ الرسل، أو أخبر به خالق السمواتِ والأَرْضين؛ نعم لو حَصَل التطبيقُ فلا بأس أيضًا، فإِنه يكونُ تشييدًا لمشاهدتِهم من جهة الشرع، لا أنه تَحْصُل قوةٌ في إخبار الشَّرْع، من بعد مشاهدتهم، والعياذ بالله، ومَنْ أَصدقُ مِن الله حديثًا؟!

<<  <  ج: ص:  >  >>