للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

وأخرج الطحاوي عن عمر رضي الله عنه أنه أراد أيضًا جمعَ الأحاديث واستخار إلى شهرٍ، فاستقر رأيهُ على أن لا يجمعها وقال: إني سمعت قومًا نزلت عليهم الصحيفةُ فكتبوا حديثَ نبيِّهم وانهمكوا فيها، حتى غَفَلوا عن صحيفتهم فضاعت، فرأى أن لا يجمع.

ثم أول من صنف فيه من التابعين الزُّهْري، فجمع فيه السير والمغازي. ثم صنف ابن جُرَيج في زمن عبد الملك. وجمع مالك رحمه الله تعالى في «الموطأ» المرفوع مع الآثار. ثم جرَّد أحمد رحمه الله تعالى المرفوع من الآثار مع عدم التميز بين الصحيح والسقيم، حتى ظهر البخاري وصنف «صحيح البخاري» مميِّزًا بين الصحيح وغيره. حتى قيل في حقه: إنه أصحُّ الكتبِ بعد كتاب الله تعالى، ثم صنف الناس كتبًا تَتْرى على اختلافهم إلى أن بلغ الأمر كما ترى. قلت: وإن جَمْعَ الأحاديث في زمنه صلى الله عليه وسلّم وإن كان أحسنَ في بادىء الرأي، إلا أن المرضِيَّ عند ذلك كان أن لا تدونَ الأحاديثُ مثل تدوين القرآن، ولا تحفظُ حفظه، ولا تنتهي في الحتم نهايته، ولا تبلغُ في الاهتمام بألفاظها مبلغَه، ولا ينفي عنه الاختلاف والشبهات نفيها عنه، بل تبقي في مرتبة ثانوية يمشي فيها الاجتهادُ، وتفحصُ العلماء، وغور الفقهاء، وبحث المحدثين لينفسح عليهم أمر الدين، ويتوسع عليهم من كل جانب، وصدق حيث قال: «إن الدين يُسر» ثم رأيت أثرًا عن الزهري في كتاب «الأسماء والصفات» قسم فيه الوحيَ وقال: إنه لا يُكتب منه إلا قسم واحدٌ، فعلمتُ أن انضباطَ نوعٍ دون نوع في زمنه صلى الله عليه وسلّم كانت هي المسألة، لا أن عدم كتابة الأحاديث كانت اتفاقًا فقط.

قوله: (ولا يقتل مسلم بكافر) وبظاهره أخَذَ الأئمة الثلاثة وقالوا: إن المسلم لا يقتل بكافر حربيًا كان أو ذِميًا. وخالفهم أبو حنيفة رحمه الله تعالى في الذِّمي وقال: إن المسلم يقتل بالذمي وإليه ذهب داود الظاهري وأبو بكر الضحاك في كتاب الديات، وأبو بكر هذا بعد البخاري بزمن قريب.

قلت: والمستأمنُ أيضًا كذلك فيقتلُ بالمستأمن أيضًا، وإن كان بعض عبارات الفقه يُوهم بخلافه، لكنَّ المذهبَ ما قررنا. واحتج الأئمة رحمهم الله تعالى بقوله: «لا يقتل مسلم بكافر» ونقل الحافظ في «الفتح» أن زفرَ رحمه الله تعالى قيل له: إنك تقولُ بقتل المسلم بالذمي مع أن الحدود مُندرئةٌ بالشبهات، وأي شبهةٍ أقوى من أن يقتصَّ من المسلمِ بالذمي مع قوله صلى الله عليه وسلّم «لا يقتل مسلم بكافر» فرجع عنه وقال: أشهد أني رجعت عن هذه المسألة. وأجاب عنه


= عدم جُودة الناسخين، فلو كان بلغ أمرُ الحديث إلى هذا في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما بلغَ اليوم أحاديثه - صلى الله عليه وسلم - إلينا بهذه الصحة، فإن الطبائع بعد الكتابة تتكاسل في الحفظ وتعتمدُ على الكتابة كما ترى اليوم وأَن الناس يعظمون رغبتهم في كُنُت غير مطبوعة فإذا طُبعت يتكاسلون عنها لعلمهم أنها لا تضيع الآن، ثم إذا شاع الإسلام ودخل فيه من كانوا يحسنون الكتابة، وكان عندهم علم ورآهم أَهلًا واطمأن بهم أجازهم بالكتابة، وهذا هو سر التخليط في كتبِ بني إسرائيل، أنهم كتبوا التفاسير على هوامش الكتاب فأدرجت في المتن، فلم يميزوا بينهما إلى الآن، فكان النهي في زمنه هو الأولى، هكذا استفدت من كلام ابن قتيبة رحمه الله تعالى.

<<  <  ج: ص:  >  >>