للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

قوله: (وليس فيه حُجَّةٌ لأَهْل القَدَر) تمسك أهلُ القَدَر على كونِ أفعالِ العباد مخلوقةً لهم: بأَنَّ الله سبحانه كان خَلَقَهم للعبادة، ففعل بعضُهم وأَبى عنها بعضُهم، فدلَّ على أن أفعالَهم باختيارهم إن شاءوا خَلَقُوها، وإن أرادوا لم يخلقوها. ثُم المؤلف لم يتعرَّض إلى جوابِه، واكتفى بالرد الجملي فقط. وأجاب عنه الحافظُ (١) ابنُ القيِّم: أنَّ الغاية غايتان: غايةٌ تراد منهم، وتلك هي العبادةُ، ولا بِدْع في تخلّفها، وإن كانت خيريتهم فيها؛ وغاية يريدُها الله تعالى، وليست تلك هي العبادةَ ليستحيلَ تخلّفها.

وكأنَّ الصَّعْقة صارت من خواصّ الصُّور، متى نُفِخ صَعِق منه الناسُ، حتى يُنْفخ للإِحياء.

قوله: (بين النفختين أربعون) وهذا ما قلنا أولًا.

قوله: (ويبلى كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه) دل على أن بنية الإنسان هي عجب ذنبه، أعني بها بنية كبنية البيت، فإن البيت أول ما ترفع منه بنيته، ثم ترفع العبارة منها، فانحل ما بحث في علم الكلام في تحقيق ماذا يكون منه الإعادة في المحشر، ومعنى الإعادة عندي الحشر، بحيث يعرفه في المحشر من كان يعرفه في الدنيا، ولا بحث لي عن أجزائه، كم فنيت منها، وكم بقيت، فإنه قليل الجدوى، وقد اختلفوا في مناط تحفظ الوحدة الشخصية في الأشياء، فذكر ابن سيناء، أن الوحدة الشخصية في الإنسان محفوظة بنفسه الناطقة، قلت: وهذا ليس بشيء، أما أولًا فلأن في نفس ثبوت النفس المجردة ألف كلام. ولم يقم دليل بعد على وجودها، ولئن سلمناه فما سبيل الاستحفاظ فيما لا نفس له، كالنباتات، والجمادات، فإن لها أيضًا وحدة شخصية، مع أنها لا نفس لها اتفاقًا، وقد مر عليه شارح التجريد، فراجع ما ذكره، ودل عليه الحديث أنه عجب الذنب في الإنسان، ولذا يبلى منه كل شيء، إلا هذا، ولعله لتحفظ وحدته الشخصية، والحاصل أن الضروري في الإعادة هو أن يعرف أهل المشاهدة أن زيدًا بعد الإعادة هو الذي كان في الدنيا بعينه، ألا ترى أنا نقول له: زيدًا في الدنيا، بعد الاستحالات العديدة. والتغيرات الشديدة أيضًا، ولا وجه له إلا أنا نحكم عليه بعد تلك التغيرات أنه هو الذي رأيناه قبلها، فدل على أن الضروري في تحفظ الوحدة، هو كونه بهذه الصفة لا غير، فاعلمه، واغتنم، وقد ذكرناه في "الجنائز" أبسط من هذا.

[فائدة]

وليعلم أن هذا الإِشكالَ عَقْليٌّ مَحْض، ولا مدخل فيه للآية، أعني أن يُبْنى على


(١) فراجعه من "بدائع الفوائد"، نَبَّه عليه الشيخُ في "مُشْكِلات القرآن".

<<  <  ج: ص:  >  >>