للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

رسالتي، فإذا لم يتعرَّضُوا لإسناده في الصدر الأول، وتَدَاوَلُوه فيما بينهم كالمسلَّمات، خَفِي إسناده فيما بعد لا محالة. فجعل بعضهم يَزْعُمُ أنه موقوفٌ لصحة طُرُقه واستقامة إسناده، بخلاف إسناد المرفوع، ومنهم من يجعله مرفوعًا لاكتفائه بالثبوت في الجملة، وعدم تنقيره فيه، والأمرُ في مثله ما نبَّهناك آنفًا، فانظر فيه بعين الإنصاف، وإياك وخُطَّة الاعتساف (١).

وأمَّا ثانيًا، فكما عَلِمْتَ أن المناط عنده ليس ما نقَّحُوه، بل هو وَصْلُه بين نافلة العبد، وفريضة الله مكانًا، وذلك لأن المناطَ لو كان ما ذكروه لاقتصر النهيُ على ما بعد الإقامة فقط، مع أنه ثَبَتَ النهيُ عنها قُبَيْل الإقامة وبعدها، وبعد الفراغ عن الصلاة أيضًا: فدلَّ على أنه لا دَخْل فيه للإقامة، فحديث مالك بن بُحَيْنَة في «الصحيحين»: أن رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلّم رأى رجلا وقد أُقِيمَت الصلاة يُصَلِّي ركعتين ... فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلّم آلصبح (٢) أربعًا» وعند مسلم: «أَتُصَلِّي الصبح أربعًا»؟ اهـ. وَرَدَ فيما بعد الإقامة، وكذا حديث عبد الله بن سَرْجِسَ عنده، وفيه قال: «دَخَلَ رجلٌ المسجدَ ورسول الله صلى الله عليه وسلّم في صلاة الغداة، فصلَّى ركعتين في جانب المسجد، ثم دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: يا فلان، بأي الصلاتين اعْتَدَدْتَ: بصلاتك وَحْدَكَ، أم بصلاتك معنا». وعند أبي داود قال: «يا فلان، أيتهما صلاتك: التي صلَّيت وَحْدَكَ، أو التي صلَّيتها معنا»، فهذان أيضًا فيما بعد الإقامة.

وأما النهيُ عنها بعد الفراغ عن الصلاة، فكما في حديث قَيْس بن عمرو عند أبي داود، قال: «رأى رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم رجلا يُصَلِّي بعد صلاة الصبح ركعتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم صلاة الصبح ركعتان، فقال الرجل: إني لم أكن صلَّيت الركعتين اللتين قبلهما، فصلَّيتهما الآن، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلّم. وعند الترمذي: «مهلا يا قَيْس، أصلاتان معًا؟ قلتُ يا رسول الله، إني لم أكن رَكَعْتُ ركعتي الفجر، قال: فلا إذن». اهـ.

أما قوله: «مهلا يا قَيْس»، فهو على وزَان قوله: «مهلا يا عائشة» حين سمعت اليهود يسلِّمون عليه بالسَّام عليك، أي: رِفْقًا، وعلى هذا يَلِيقُ أن يكونَ الخطابُ به قبل الشروع، مع


(١) وفي تقرير الفاضل عبد العزيز من كلام الشيخ: أن أبا حاتم أيضًا صوَّب وَقْفَه في "علله"، وهو مُعَاصِرٌ للبخاري رضي الله تعالى عنه، وكنتُ مترددًا في أنه حكم على إسنادٍ واحدٍ، أو على جميع أسانيده، فلمَّا رأيت أنه أخرجه في ثلاث مواضع، وحكم على كلِّه بالوقف، ظَهَرَ أنه حكم على الإِطلاق.
(٢) قلتُ: وراجع لفظ ابن عمر رضي الله عنه، من باب: الصلاة بعد الجمعة عند أبي داود: "لما رأى رجلًا يُصَلِّي ركعتين يوم الجمعة في مقامه، فدفعه وقال: أتُصَلِّي الجمعة أربعًا ... " إلخ. وفيه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه، عن عطاء: "أنه رأى ابن عمر رضي الله تعالى عنه يُصَلِّي بعد الجمعة، فَيَنْحَاز عن مصلَّاه الذي صلَّى فيه الجمعة قليلًا غير كثيرٍ، قال: فيرْكَعُ ركعتين. قال: ثم يَمْشِي أنفس -أي أبعد- من ذلك، فيركع أربع ركعات ... " إلخ. وفي الفصل الثالث من باب: الذكر بعد الصلاة من "المشكاة": "أنه قام الرجل الذي أَدْرَك معه -أي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التكبيرة الأولى من الصلاة يَشْفَعُ، فَوَثَبَ عمر رضي الله تعالى عنه فأخذ بمَنْكِبيه، فهزَّه، ثم قال: اجلس، فإنه لن يُهْلك أهل الكتاب إلَّا أنه لم يكن بين صلاتهم فَصْلٌ، فرفع النبي - صلى الله عليه وسلم - بصره، فقال: "أصاب الله بك يا ابن الخطاب"- رواه أبو داود.

<<  <  ج: ص:  >  >>