<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[فصل]

قال القاضي أبو محمّد عبد الوهاب رحمه الله: والدّين بالدّين ممنوع إذا كان من الطّرفين. والوضع على التّعجيل ممنوع، وهو أن يكون له عليه كُرّ (1) حنطة جيّدة إلى أجل سنة فيعطيه قبل الأجل دون صفته، فلا يجوز لأنّه وضع الصفة الّتي له ليتعجّل له القبض، وما كان خارجًا عن أصل الرّفق والمعروف، فلا يقاس عليه.

قال الفقيه الإِمام رحمه الله: أمّا هذا الّذي ذكره من منع الدّين بالدّين، فقد تقدّم ذكره والتّنبيه عليه في أثناء فروع كثيرة تقدّمت في كتاب السلم. والأصل فيه ما روي عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: "أنّه نهى عن الكاليء بالكاليء" (2) والكاليء هو المؤخَّر. فكأنّه قال نهى عن بيع مؤخّر بمؤخّر. وقول القاضي أبي محمّد ها هنا: (من الطّرفين) تأكيد للبيان، وإلاّ إذا كان المراد بذكر الدّين ما يؤخر كان مقنعًا قوله: الكالي بالكالي, لأنّ أحدهما إن كان منقودًا فلا يسمّى دينًا، وإن كان غير منقود وهو في الذّمّة، فإنّه يسمّى دينًا. ولكن يكون الدّين حالًا ومؤجّلًا، فإن كان حالًا فباعه مِمّن هو عليه بجنس آخر مؤجّل، فهو فسخ الدّين في الدّين، وذلك من معنى ربا الجاهليّة الّذي حرّمه الله تعالى في كتابه على حسب ما تقدّم بياننا له من الاختلاف في تأويل الآية الّتي نزلت في ذلك. وقد كانت الجاهليّة (3) إمّا أن تقضي وإمّا أن تربى. فإذا حلّ أجل الدّين وهو في المثل عين، فإنّه إذا أخّره


(1) ساقطة في الوطنية.
(2) في حديث رواه الدارقطني في سننه: 319 - وأخرجه الحاكم 2: 57، والبيهقي 5: 290 وهو ضعيف لوجود موسى بن عبيدة الربذي في سنده، إرواء الغليل: حديث 138: 5/ 220.
(3) هكذا في النسختين ولعله سقط لفظ: تقول.

<<  <  ج: ص:  >  >>