<<  <  ج: ص:  >  >>

فصل في هديّة المديان

اعلم أنّا كنّا قدّمنا مذاهب العلماء في قوله: {وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} (1). وذكرنا هناك أنّ الجاهلية كانت تقول: تقضي أو تربي. والمعنى أنّ من كان له دين قد حلّ، طلب به من هو عليه، فإمّا أن يقضيه أو يؤخّره عليه بزيادة يزيدها فيه. وقدّمنا أيضًا في هذا الكتاب الدّلالة على صحّة القول بحماية الذّرائع. فإذا كان على رجل دين فأهدى هديّة لمن له الدّين، اتّهم أن يكون قصد بذلك أن يجعل ما سمّاه هديّة عوضًا عمّا يرجوه من تأخير الغريم. وقد قدّمنا أنّ تأخير الدّين بزيادة فيه حرام، وأنّه ربا الجاهليّة. لكن إذا ظهر دليل يرفع هذه التّهمة، لم يمنع من ذلك. مثل أن يكون من عليه الدّين قد اعتاد متاحفة من له الدّين قبل أن يداينه، وبينهما من الوُصلة ما يعلم أنّ الهديّة لأجل ما بينهما من وصلة لا لأجل رجاء تأخير الدّين.

واختلف المذهب على قولين في جواز مبايعة أحدهما الآخر قبل حلول الأجل. فأجيز ذلك لأنّه عن معاوضة، وكون ذلك من معاوضة يمنع من تصوّره هبة. وكره أيضًا مخافة أن يقع التّسامح في المعاوضة، فتكون تلك المسامحة كالهديّة رجاء تأخير الدّين.

وينبغي أيضًا أن يلتفت إلى قرائن الحال. فإن ظهر ما يدلّ على قصد التّأخير، فسخنا البيع، وإن ظهر ما يدلّ على السلامة منه، أجزنا البيع.

وكذلك إذا وقعت المبايعة بعد حلول أجل الدّين، فإنّا لا نجيز ذلك.


(1) سورة البقرة: 275.

<<  <  ج: ص:  >  >>