للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لقوله تعالى: {وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} (١). وما نهي عنه إنّما يتعلّق بحاصل موجود يكون إيجابه باكتساب، وكفّه عن ذلك باكتسابه. فلو كان العقد لا ينقل الملك لما تصوّر الملك، وإذا لم يتصوّر عنه وهو منهيّ عنه، صار النّهي كالمتعلّق بما لا يمكن، وذلك مِمّا لا يحسن النّهي عنه، كما لا يحسن أن يقال للأعمى: لا تر كذا, ولا تقرأْ كذا. فإذا أشعر تعلّق النّهي يكون المنهيّ عنه يمكن إيقاعه، ولا يمكن إيقاع البيع الفاسد إلاّ بأن يتصوّر فيه انتقال الملك، وهذا يقتضي كون البيع الفاسد ينقل الملك ما لم يقع بميْتة أو دم، لكون ذلك مِمّا لا تتصوّر فيه حقيقة الماليّة. والبيع لا يتصوّر فيه حقيقة إلَاّ محلّ (٢)، والمحلّ لا بدّ أن يكون له حقيقة الماليّة، وعاقد له حقيقة الأهليّة، وهو العاقل المميّز الّذي يكون أهلًا للبيع. بخلاف العقد بخمر أو خنزير، فإنّ له حقيقة الماليّة، ولكن فقد وصفا شرعيّأوهو كونه مِمّا يقوّم. وكان مقتضى هذا التّقسيم والتّركيب أن ينقل الملك بمجرّد العقد، لكن لمّا ضعف العقد يكون الشّرع سلبه وصف الجواز والصحّة، احتاج هذا الضّعيف إلى ما يقوّيه حتّى يحصل انتقال الملك وما ذاك إلَاّ القبض. ألا ترى أنّ الهبة لمّا ضعف القول فيها, لم ينقل مجرّده الملك حتّى احتاج إلى ما يقوّي هذا الضعف وهو القبض، ولم يلزم هذا في عقد نكاح وقع على فساد, لأنّ العقد في الأنكحة له حرمة، بخلاف حرمة البيع، قوي من أجلها، فاستغنى عمّا يقوّيه في نقل الملك، وجرى مجرى الوطء في النّكاح الفاسد الّذي ينقل الملك. وأيضًا فإنّ العقد الفاسد يسلبه النّهي وصف الحلّ والجواز، وحقيقة النّكاح أن يكون حلالًا. ومن آكد ما يستدلّ به الكتابة الفاسدة، فإنّها يثبت معها العتق عندهم وعند الشّافعيّة. وأجيبوا عن هذا بأنّ اتّفاقهم عليها إنّما كان لأجل حرمة العتق، ألا ترى أن من أعتق جزء عبد عتق عليه ما لا يملكه منه تغليبًا لحرمة العتق. بخلاف أن يبيع نصيبه منه. وأيضًا فإنّ الكتابة كأنّها عتق معلّق بصفة، والتّعليق بالصّفة ينفذ فيه العتق سواء كانت


(١) سورة البقرة: ٢٧٥.
(٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: في محلًّ.

<<  <  ج: ص:  >  >>