للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لأن الأصل عدم الجِنَاية وبقاء الرَّهْن، وإذا بيع في الدَّيْن فلا شيء للمقر له على الراهن؛ لأن الراهن لا يغرم جناية المرهون، ولم يتلف بالرَّهْنِ شيئاً لِلمُقرّ لَهُ؛ لكون الرَّهْنِ سَابِقاً على الجِنَايَةِ، وليس كما لو أقرَّ بجناية أُمِّ الوَلَدِ، حيث يغرم للمُقِرّ لَهُ، وإن سبق الاستيلادُ الجِنَايَةَ؛ لأن السَّيِّدَ يغرم جِنَايَةَ أُمِّ الوَلَدِ، وذكر القَاضِي ابْنُ كِجٍّ وجهاً آخر: أنه يقبل إقرار الرَّاهِن، ويباع العَبْدُ في الجناية، ويغرم الرَّاهِنُ للمرتهن.

الحالة الثانية: أن يتنازَعا فِي جِنَايَتِه قبل لزوم الرَّهْن، وفيها مسألتان:

احدَاهُما: أقر الرَّاهِنُ بأنه كان قد أتلف مالاً، أو جنى على نفس جنايَةَ توجب المَالَ، فينظر إن لم يعين المَجْنِيُّ عَلَيْهِ، أو عينه ولكنه لم يصدقه ولم يدّع ذلك فالرهن مُسْتَمِّرٌ بحاله، وإن عينه وادْعاه المَجْنِيُّ عَلَيْهِ، نظر إن صدقه المُرْتَهنِ بيعَ فِي الجِنَايَةِ، وللمرتهن الخَيارُ إِنْ كَانَ ذَلِكَ الرَّهْن مشروطاً فِي بَيْع، وإن كذبه فأصّح القولين -وبه قال أبو حنيفة واختاره المزني-: أنه لاَ يُقْبَل قَوْلَه صيانَة لِحَقِّ المُرْتَهِنِ.

والثَّاني: يقبل؛ لأنه مالك فيما أقر به، فلا تنقدح تهمة في إقراره، وقال من نصر الأول: بل فيه تهمة ومواطَأة للمقر له، والتدرج إلى دَفْعِ الرَّهْنِ، والقولان كالقولين فيما لو أقر العبد بسرقة مَالٍ ونفذناه فِي القَطْعِ، هل ننفذه في المَالِ؟ لأنه بهذَا الإِقْرَارِ يَضُرُّ بِنَفْسِهِ، فلا يَنْفِي التُّهْمَة.

ويجري القَوْلاَن فيما لو قال: كنت غصبته أو اشتريته شراء فَاسِداً أو بعته قبل أن رهنته، أو وهبته وأقبضته، وفيما لو قال: كنت أعتقته، قال الشيخ أبُو حَامِدٍ: ولا حاجة في هذه الصُّورة إلى تصديق العَبْدِ دعواه، بخلاف سائر الصور، وفي الإقرار بالعتق قولٌ ثَالِثٌ: أنه إن كان موسراً نفذ، إلا فلا، تنزيلاً للإقرار بالإعتاق منزلة الإعْتَاقِ، ونقل إمام الحَرَمَيْنِ هذا القول الفارق في الصّور كُلِّهَا، وجعلها على ثَلاثَةِ أقوالٍ، وتابعه المصنف.

التفريع: إن قلنا: لا يُقْبَلُ إقْرار الرّاهِنِ فالقول في بقاء الرَّهْنِ قولُ المرتَهِن مَعَ يَمِينه، ويحلف على نَفْي العِلْم بالجِنَاية، وإذا حلف واستمر الرَّهْن فهل يَغْرَم الرَّاهِن للمجني عَلَيْهِ فيه قولان. قال الأئمة: أصحهما: أنه يغرم، وهو اختيار المُزَنِي، كما لو قَتَله؛ لأنه حال بينه وبين حَقِّه.

الثاني: لا يغرم؛ لأنه أقر في رَقَبَةِ العَبْدِ بما لم يقبل إقْراره، فكأنه لم يُقِر، والقولان كالقولين فيما إذا أَقَر بالدَّارِ لَزِيْدٍ، ثم أقر بها لعمرو، هل يغرم لِعَمْرو؟ وُيعَبَّر عنهما بقولي الغرم لِلْحَيْلُولة؛ لأنه بالإقرار الأول حَالَ بين من اعترف باستحقاقه ثَانِياً وبين حقه.

<<  <  ج: ص:  >  >>