للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال الرافعي: عن أبي بكرة أَنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رخَّصَ للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوماً وليلة، إذا تطهر فلبس خُفَّيْهِ أن يمسح عليهما (١).

وعن صفوان بن عَسَّال قال: أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا كنا مسافرين أو سفراً، ألا ننزع خِفَافَنَا ثلاثة أيام ولياليهن، إلا من جَنَابَةٍ لكن من غَائِطٍ أو بَوْلٍ أو نَوْمٍ (٢)، والأحاديث في باب المسح كثيرة، ومن شرط المسح على الخفِّ أن يلبسه، وهو متطهِّر، وعند أبي حنيفة لا يشترط تقديم الطَّهَارة على اللّبس، وإنما المعتبر أن يطرأ الحدث بعد اللبس على طهارة كاملة.

لنا حديث أبي بكرة، وعن المغيرة بن شعبة قال: "سَكَبْتُ الوضوء لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلما انتهيت إلى رجليه أهويت إلى الخفين لأنزعهما، فقال: دع الخُفَّيْنِ، فَإنِّي أَدْخَلْتُهُمَا وَهُمَا طَاهِرَتَانِ" (٣)، علل جواز المسح بطهارتهما عند اللّبس، وإذا كانتا طاهرتين كانت سائر الأعضاء طاهرة؛ لأن التَّرتيب واجب، وغسل الرجل آخر الأركان، ويترتب على هذا الأصل، ما لو غسل إحدى الرجلين، وأدخلها الخُفَّ، ثم غسل الأخرى، وأدخلها الخف، لم يجز المسح عليهما، إذا أحدث؛ لأن أول اللبس تقدم على تمام الطَّهَارة، وإذا كانت الطّهارة شرطاً للبس، يجب تقدمها بكمالها على اللبس، كلما يشترط تقدمها على الصلاة، فلو نزع ما لبسه أولاً، وأعاد اللّبس، وهو على طهارته جاز المسح إذا أحدث لكمال الطهارة حين اللبس المعاد، والآخر ملبوس على كمال الطَّهارة، فقد تحقَّق الشَّرْط فيهما جميعاً.

وعن ابن سريج أنه إذا نزع الأول، وجب نزع الثاني أيضاً، ويستأنف لبسهما ليجوز له المسح؛ لأن حكم كل واحد منهما مرتبط بالآخر، أَلاَ ترى أن نزع أحدهما بعد الحدث يوجب نزع الثاني، ولو لبس الخُفَّين قبل أن يغسل رجليه، ثم صبّ فيهما الماء حتى انغسلتا، لم يجز له المسح، وإن تم وضوءه بما فعل؛ لأنه لبسهما قبل كمال الطَّهارة فإن نزعهما ثم لبسهما فله المسح، إذا أحدث، وعند أبي حنيفة، والمزني له المسح في الصورتين، ولا حاجة إلى النَّزْع.


(١) أخرجه الشافعي في مختصر المزني (٩) وابن ماجة (٥٥٦) وابن خزيمة (١٩٢) والدارقطني (١/ ١٩٤) (١) والبيهقى في السنن (١/ ٢٧٦) قال الحافظ صححه الخطابي، ونقل البيهقي أن الشافعي صححه في سنن حرملة انظر التلخيص (١/ ١٥٧).
(٢) أخرجه الشافعي في الأم (١/ ٣٤ - ٣٥) وأحمد في المسند (٤/ ٢٢٩) والترمذي (٩٦) وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي في السنن (١/ ٨٤) وابن ماجة (٤٧٨) والدارقطني (١/ ١٩٧) (١٥) وابن خزيمة، وابن حبان (١٩٦) قال ابن الملقن: قال البخاري: إنه أصح حديث في التوقيت، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والخطابي. انظر الخلاصة (١/ ٧٣).
(٣) متفق عليه، أخرجه البخاري (٢٠٣ - ٢٠٦) ومسلم (٢٧٤).

<<  <  ج: ص:  >  >>