للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والتأويلُ المشروطِ في أهل البغْيِ إذا كان بطلانُه مظنوناً (١)، [فهو] (٢) معتبرٌ، وإن كان [بطلانُه] مقطوعاً به، ففيه وجهان:

أوفقهما، لما أطلقه الأكثرون: أنه لا يعتبر كتأويل أهل الرِّدَّة وشبهتهم.

والثاني: يُعْتَبَر ويكْفِي تغليطهم فيه، وقد يَغْلَطُ في القطعيات غالِطُون، وبني على الوجهين أن العلماء أطلقوا القَوْلَ بأن معاوية، ومن تابعه كانُوا باغِين، [ويدل عليه] الخبر المشْهُور أن عَمَّاراً -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- تَقتُلُهُ الفِئَةُ الباغِيَةُ" فإن شرطنا في البغي أن يكون بطلان التأويل مظنوناً، فنقول إن معاوية -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- كان مبطلًا فيما ذهب إليه ظنَّاً، وإن لم نشترطْه وأثبتنا اسم البغي وحكمه مع القَطْع ببطلان التأويل، فقد نقول: إن معاوية كان مبطلًا قطعاً، قال الإِمام وهذا مخاضٌ لا نخوض ولسنا للتشاغل به.

ثم تكلم صاحب الكتاب في الخوارج وأنْ تأويلَهم، هلْ يُعْتبر، واعلم أن الخوارج صنْفٌ مشهور من المبتدعة يعتقِدُون أنَّ من أتى بكبيرة، فقد كفرَ واسْتَحَقَّ الخلود في النار، ويطعنون؛ لذلك في الأئمة، ولا يجتمعون معهم في الجمعات والجماعات، والذي أورده الإِمام وصاحب الكتاب فيهم يخالف طريقةَ الجُمْهور، ولا بد من ذكر الطريقتين، أما هما فقد قالا في تكفيرهم الخلافَ المشْهورَ في تكفير أهْل البِدَع والأهواء، وسيأتي قدْر الحاجة منْه في "كتاب الشهادات" إن شاء الله تعالى -فإنْ لم نكفرْهم، ففيهم وجهان:

أحدهما: أن شبهتهم كتاويل البغاة، وحكْمَهم حكْمُهم.

وأصحُّهما: أنهم كأهل الردة؛ فلا نبالي بما يتمسكون به؛ لظهور فساده، وعلى هذا، فلا تنفذ أحكامهم بخلاف أحكام البُغَاة، ويمكن أن يردَّ هذا الخلافُ إلى الخلافِ في أنه، هل يثبت حكْم البغْي مع القطْع ببطلان التأويل، وأما غيرهما، فقد ذكر الشافعيُّ وعامة الأصحاب -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- أنه، إن أظهر قوم رأي الخوارج وتجنَّبوا الجماعات، وكَفَّروا الإِمام ومن معه (٣)، فإن لم يقاتِلُوا، وكانوا في قبضة الإِمام، فلا يُقْتَلُون، ولا يقاتَلُون، روي أن عليّاً -كرم الله وجهه- سمع رجلاً من الخوارج يقول لاَ حُكْمَ إلاَّ لِلَّهِ وَلرَسُولِهِ، وتعرَّض بتخطئته في التحكيم؛ فغال علي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "كَلِمَةُ حَقِّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ، لَكُمْ عَلَيْهَا ثَلَاثٌ؛ لاَ نَمْنَعُكُمْ مَسَاجِدَ اللهِ وَأَنْ تَذْكُرُوا فِيهَا اسْمَ اللهِ، وَلاَ نَمْنَعُكُمْ الفَيْءَ مَا دَامَت أَيْدِيِكُمْ مَعَنَا وَلاَ نَبْدَأُ بِقِتَالِكُمْ" (٤) ثم إن صرَّحوا


(١) في ز: مضموناً.
(٢) سقط في ز.
(٣) في ز: تبعه.
(٤) رواه الشَّافعي بلاغاً، وابن أبي شيبة والبيهقي موصولاً: أن علياً بينما هو يخطب إذ سمع من ناحية المسجد قائلاً يقول: لا حكم إلا لله فذكره إلى آخره وفيه: ثم قاموا من نواحي المسجد يحكمون =

<<  <  ج: ص:  >  >>