للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وكذلك الاستبراء في الأصل يجب صيانة للمياه عن الاختلاط في الإماء وسبب الاختلاط في الإماء استحداث ملك الوطء بملك اليمين لأن زوال ملك اليمين عن الأول وإن كان بعد الوطء لا يوجب استبراء مانعاً من الحدوث لآخر، فلو أبحنا للآخر بلا استبراء لاختلاط الماءان، والماء أمر باطن والإباحة بسبب ملك اليمين أمر ظاهر فأقيم هذا السبب الظاهر مقام الماء، وجعل علة في نفسه وأدير الحكم معه.

فقيل؛ متى استحدث الرجل ملك الوطء بملك اليمين لم يحل له إلا بالاستبراء، سواء كانت الأمة بكراً أو ثيباً، وطئت عند الأول أو لم توطء ومتى كان الاستحداث بالنكاح لم يجب الاستبراء.

وإن كانت وطئت عند الأول نحو الأمة يطأها مولاها ثم تزوجها فإنه لا استبراء يجب على الزوج، وإن كان يؤدي إلى اختلاط المياه لأن النكاح أصله في الحرائر لأن الرق أمر عارض والحرة لا توطأً إلا بنكاح، وزواله بعد الوطء يوجب عدة مانعة من نكاح آخر والاستبراء يقع بالعدة فلم يصر إباحة الوطء للزوج على ما عليه أصل الوضع بلا استبراء موجباً لاختلاط المياه فلم يصر علة.

وكذلك قال علماؤنا- في رجل قال لامرأته؛ إن كان في علم الله تعالى أن فلاناً يقدم إلى شهر فأنت طالق الساعة، فقدم فلان إلى شهر-: فإن الطلاق يقع بعد القدوم، كما قال لها: أنت طالق الساعة إذا قدم فلان إلى شهر، وإن تبين بالقدوم أنه كان في علم الله ذلك وأنه علق الطلاق بشرط موجود لأنا لا نطلع على علم الله تعالى بقدومه إلا بعد قدومه، فكان القدوم هو الدليل الذي نقف به على العلم فقام مقام العلم فيما علق به من الحكم ولغا اعتبار الباطن في حق تعلق الطلاق به كأنه لم يذكره.

بخلاف ما إذا قال: إن كان زيد في الدار فأنت طالق فعلم به بعد شهر أنه كان في الدار يوم حلف طلقت امرأته من حين تكلم لأن كينونته في الدار مما نقف عليه نحن فلم يلغ اعتباره وتعلق الحكم بحقيقته لا بالدليل الذي يظهرها فثبت أن ما قلناه طريق بين في الشرع تيسيراً ودفعاً للحرج، فكان أولى مما قاله خصمنا فإنه أسقط اعتبار الباطن بقدر ما لا يمكنه لا غير، والله تعالى كما أخبر أنه لم يكلف إلا بقدر الوسع أخبر أنه ما جعل في الدين من حرج، واعتبار الباطن على الوجه الذي قاله في حق العمل يوقعنا في الحرج والتأمل ليمكننا التمييز بالإرادة الباطنة أحرج من التأمل في الصبيان للتمييز بين من اعتدل عقله منهم ومن لم يعتدل، ولهذا أبى علماؤنا تأخير بيان الظاهر بوجه يحتمله من حيث ترك ظاهره على ما يأتيك من بعد.

لأن الظاهر يوجب موجبه قطعاً على حقيقة بلا احتمال فيه فلا يبقى للبيان وجه فإنه لا يتصور إلا بعد احتمال.

<<  <   >  >>