للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الدليل الثاني: من المعقول:

قالوا: إن المقصود بعبادة الحج هو تعظيم البقعة بالزيارة، والمال شرط يتوصل به إلى هذا المقصود، وهذالمقصد فائت في حق المعضوب، ولا يعتبر وجود الشرط - وهو وجود المال -؛ لأن الشرط تبع، والتبع لا يقوم مقام الأصل في إثبات الحكم به أبتداء، لأن المال ليس ببدل عن أصل الحج، لأن الحج لا يتأدى بالمال، وإنما يتأدى بمباشرة النائب بالحج عنه، فإذا لم يكن المال بدلاً عن أصل الحج فلا يثبت الوجوب باعتباره (١).

[مناقشة هذا التعليل]

يمكن مناقشة هذا التعليل بما يأتي:

أولاً: لا نسلم لكم أن المقصود من الحج هو تعظيم البقعة بالزيارة فقط، بل له مقاصد كثيرة منها إنفاق المال في سبيل الله، وهذا يتأتى من المعضوب ومن في حكمه، ولا يسقط الميسور بالمعسور (٢).

ثانيًا: سلمنا لكم أن المقصود من الحج هو تعظيم البقعة بالزيارة، لكن هذا المقصود يحصل بمباشرة الشخص نفسه، وبنائبه، بدليل إقراره - صلى الله عليه وسلم - كذلك، وأمره به كما دلت على ذلك الأحاديث الكثيرة كما سيأتي.


(١) المبسوط للسرخسي: ٤/ ١٥٣، ١٥٤.
(٢) (الميسور لا يسقط بالمعسور): قاعدة فقهية جليلة مستنبطة من قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أمرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم". أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة: (١٣٣٧)، وهذه المسألة، من المسائل التي تتخرج على هذه القاعدة، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (٩٧)} [آل عمران: ٩٧]. وتقدم أن كثيرًا من العلماء جعلوا المستطيع بماله وبغيره داخلاً في عمومها، فإن كان المسلم لا يتمكن من الحج بنفسه فإنه معسور في هذا الجانب فلا يسقط عنه الحج بماله وبغيره. لأنه ميسور. وللكلام حول هذه القاعدة انظر: الأشباه والنظائر لتاج الدين السبكي: ١/ ١٥٥، والأشباه والنظائر للسيوطي، ص: ١٠٧، طبعة دار الفكر.

<<  <  ج: ص:  >  >>