<<  <  ج: ص:  >  >>

إلى منى، فلما أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة أربعة أيام يقصر الصلاة مع كونه لا يفعل ذلك إلا عازمًا على الإقامة إلى أن يعمل أعمال الحج: كان ذلك دليلًا على أنّ العازم على إقامة مدة معينة؛ يقصر إلى تمام أربعة أيام، ثم يتم، وليس ذلك لأجل كون النبي - صلى الله عليه وسلم - لو أقام زيادة على الأربع لأتم؛ فإنا لا نعلم ذلك ولكن وجهه ما قدمنا من أن المقيم العازم على إقامة مدة معينة لا يقصر إلا بإذن، كما ان المتردد كذلك، ولم يأت الإذن بزيادة على ذلك، ولا ثبت عن الشارع غيره.

فال الشافعي: لو نوى إقامة أربعة أيام بموضع؛ انقطع سفره بوصوله.

قال في "المنهاج": ولا يُحْسَبُ منها يومًا دخوله وخروجه على الصحيح.

وقال أبو حنيفة: لا يزال على حكم السفر، حتى ينوي الإقامة في بلدة أو قرية خمسة عشر يومًا.

وقول أكثر أهل العلم: إنه يقصر أبدًا ما لم يُجمع إقامة.

واختلف أصحاب الشافعي في حكاية مذهبه.

وحكاية البغوي: أنه إذا لم يجمع الإقامة، فزاد مُكثه على أربعة أيام وهو عازم على الخروج أتم؛ إلا أن يكون في خوف أو حرب فيقْصُر.

وقد قصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح بحرب هُوازِن تسعة عشر أو ثمانية عشر يومًا.

وله قول آخر موافق للجمهور.

قال الماتن: "واعلم أن هذه الثلاثة الأبحاث المذكورة في هذا الباب؛ هي من المعارك التي تتبلد عندها الأذهان، وقد اضطربت فيها المذاهب اضطرابًا شديدًا، وتباينت فيها الأنظار تباينًا زائدًا".

قال الفقير إلى عفو ربه: هذه المسألة كالمسألة السابقة؛ في أنه لم يرد من الشارع تحديد لمدة الإقامة التي تخرج عن حد السفر.

<<  <  ج: ص:  >  >>