للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أنه لا يباع" (١). فهنا يستعمل إجماع أهل الكوفة كمرجِّح بين روايتين مختلفتين. وهذا التصرف يشبه استعمال الإمام مالك لعمل أهل المدينة واحتجاجه به في العمل بالأحاديث وغير ذلك. ويتشابه اللفظ المستعمل عند الإمام مالك والإمام محمد، فيقول الإمام مالك مثلاً: "الأمر المجتمع عليه عندنا" ونحو ذلك (٢). ويفيد بعض الأصوليين أن الحنفية كانوا يستعملون عمل أهل الكوفة كمقياس للترجيح بين الروايات إلى زمن أبي حنيفة قبل شيوع البدع (٣). وهذا المنهج كان متبعاً لدى المجتهدين الأولين. فقد كانوا يرون أن العمل الجاري في المكان الذي يعيشون فيه متوارث من الصحابة والتابعين الذين كانوا يعيشون في ذلك المكان قبلهم وأنهم لكونهم قريبي العهد بهم فقد وصل إليهم عمل الصحابة والتابعين عن طريق صحيح. وكانوا يرون أيضاً أن مثل هذا العمل المشهور والمتوارث من جيل إلى جيل أقوى من حديث يرويه شخص أو شخصان، ولذلك كانوا لا يقبلون صحة أخبار الآحاد التي تخالف هذا العمل المتوارث ويقولون بأن هذه الأخبار لو كانت صحيحة لكانت معلومة عند الصحابة والتابعين المتوافرين في ذلك المكان. ومن المفهوم أن الشيباني إنما ينطلق من هذه الفكرة في المثال المذكور أعلاه. وينبغي أن نلفت النظر هنا إلى أن استدلال الشيباني بإجماع أهل الكوفة لا يتناقض مع نقده لاستدلال الإمام مالك بعمل أهل المدينة. فالإمام محمد يستدل بإجماع أهل الكوفة للترجيح بين حديثين مختلفين، بينما ينتقد الاستدلال بعمل أهل المدينة في مواضع لا يوجد فيها حديث مؤيد لذلك العمل.

[هـ - قول الصحابي]

يستدل الشيباني بأقوال الصحابة في مواضع كثيرة، ويقول في بعض المسائل بأنه لا يوجد في هذه المسألة حديث للنبي - عليه الصلاة والسلام - ولا


(١) الأصل للشيباني، ٣/ ١٣٣ و.
(٢) الموطأ لمالك بن أنس، ١/ ٢٤٧، ٢٧١، ٣٠٢.
(٣) المسودة لابن تيمية، ص ٢٨١.

<<  <  ج: ص:  >  >>