للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

القول بأن السلم على خلاف القياس غير صحيح، بل يقال: من رأى شيئًا من الشريعة مخالفًا للقياس، فإنما هو مخالف للقياس الذي انعقد في نفسه، وليس مخالفًا للقياس الصحيح الثابت في نفس الأمر. نعم في الشريعة ما يخالف القياس الفاسد، وإن كان من الناس من لا يعلم فساده، فالسلم جار على وفق القياس، وذلك أن السلم المؤجل دين من الديون، فكما أن الثمن قد يؤجل في الذمة، وهو أحد العوضين، فكذلك المثمن قد يؤجل في ذمة البائع، فأي فرق بين كون أحد العوضين يصح أن يكون مؤجلًا في الذمة، ولا يصح أن يكون العوض الآخر مؤجلًا في الذمة.

فالسلم بيع مضمون في الذمة، موصوف، مقدور على تسليمه غالبًا، فهو كالمعاوضة على المنافع في الإجارة، فقياس السلم على بيع العين المعدومة التي لايدرى أيقدر على تحصيلها، أم لا؟ والمشتري منها على غرر من أفسد القياس، وقد فطر الله العقلاء على الفرق بين بيع الإنسان ما لا يملكه، ولا ما هو مقدور عليه، وبين السلم إليه في مغل مضمون في ذمته، مقدور في العادة على تسليمه، فالجمع بينهما كالجمع بين الميتة والمذكى (١).

وقد عقدت فصلًا مستقلًا في عقد السلم بينت الأدلة على أن هذا العقد جار على وفق القياس فراجعه مشكورًا.

وأما قولكم: إذا جاز حالًا بطلت الحكمة من مشروعية السلم، فيقال: على التسليم بقولكم، فإن الحكمة إذا بطلت من مشروعية السلم، فلم تبطل حكمة الشرع من مشروعية المعاوضة، فإن البائع انتفع بالثمن، والمشتري


(١) انظر مجموع الفتاوى (٢٠/ ٥٢٩)، زاد المعاد (٥/ ٨١١)، إعلام الموقعين (١/ ٣٥٠) و (٢/ ١٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>