للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

سوى إثبات وجود الهزل، فإذا ثبت لديه انتفى الحكم عنده، وأظن أن القائلين لا ينعقد لا يختلفون في هذا، لأن الأمر إما أن يصدقه صاحبه على دعوى الهزل، أو يكذبه، فإن صدقه أصبحت الأقوال في المسألة قولين، وإن كذبه فالأصل مع مدعي الجد؛ لأنه هو الأصل، ولذلك الحنفية الذين يقولون بأن بيع الهازل لا ينعقد يقولون في نفس الوقت لا بد من قرينة،

جاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام «الجد شرط في البيع، فلا ينعقد بيع الهزل؛ إذ لا رضاء في عقد يبنى على الهزل ... وعلى هذا إذا قصد بالمبايعة الهزل وجب التصريح بذلك أثناء العقد إذ لا تغني دلالة الحال عن ذلك وحدها. فعلى الهازل في بيعه أن يقول للمشتري إني بعتك هذا المال هازلًا. وإذا تواطأ متبايعان على أن العقد الذي سيجريانه بحضور الشهود يراد به الهزل فالتواطؤ الذي تقدم العقد بمنزلة التصريح بقصد الهزل أثناء العقد ويكون هذا البيع بيع هزل، فإذا اختلف المتبايعان في البيع، هل هو هزل أو جد؟ فالقول لمدعي الجد مع يمينه، فإذا وجدت قرينة تدل على قصد الهزل في البيع كأن يباع الشيء بنقص فاحش جدًا فالقول إذ ذاك لمدعي الهزل أما إذا ادعى الهزل مشتر بعد أن دفع ثمن المبيع أو بعضه فدعواه غير مسموعة» (١).

وإذا كان الأمر كذلك، فالخلاف إنما هو في حالة قيام ما يدل على إرادة الهزل أو الاتفاق عليه بين المتعاقدين هل ينعقد العقد في مثل هذه الحالة، أو لا ينعقد؟ والذي يظهر لي أن القول الصواب مع قول من قال: لا ينعقد العقد لعدم وجود قصد البيع والرضا به، والله أعلم (٢).


(١) درر الحكام شرح مجلة الأحكام (١/ ١٣٨ - ١٣٩).
(٢) وهذا التفصيل هو ما مشى عليه القانون، يقول السنهوري في الوسيط في شرح القانون المدني الجديد في الحاشية في المجلد الأول من مصادر الالتزام (ص: ١٨٥):» وكانت المادة (١٢٨) من المشروع التمهيدي تنص على ما يأتي: «لا يكون التعبير عن الإرادة باطلًا لمجرد أن صاحبه قد أضمر غير ما أظهر، ولكنه باطل إذا كان من وجه إليه يعلم بهذا التحفظ الذهني».
ويقول الدكتور الدريني في كتابه التراضي (ص: ٢٥٦): «التحفظ الذهني: هو أن لا يريد الشخص ما أعلن أنه يريده، وينشأ عنه اختلاف بين الإرادة الحقيقية والإرادة الظاهرة.

ويأخذ القانون الألماني في هذه المسألة بالإرادة الظاهرة، ويترتب على ذلك أن العقد ينعقد على الرغم من أن المتعاقد قد أضمر خلاف ما أظهر، أما في القانون الفرنسي فإن العقد لا ينعقد، ولكن من الناحية العملية يكون من الصعب إثبات هذا التحفظ؛ لأن الإرادة الظاهرة إذا كانت مكتوبة، فإنه لا يجوز إثبات عكسها - أي الإرادة الباطنة - إلا بالكتابة طبقًا للقاعدة التي تقضي بأن ما يثبت بالكتابة لا يجوز إثبات عكسه إلا بالكتابة، ولما كان التحفظ الذهني مكنونًا في الضمير فإنه من الصعب إن لم يكن من المستحيل إثباته بالكتابة، الأمر الذي يترتب عليه في النهاية الاعتداد بالإرادة الظاهرة، والقول بانعقاد العقد في حالة التحفظ الذهني».

<<  <  ج: ص:  >  >>