للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الأول: أن يسير الغرر مباح بالإجماع، وأما قليل الربا فهو محرم بالإجماع، فكيف يقاس الربا المجمع على تحريمه على الغرر اليسير المجمع على إباحته، فهذا كقول الكفار: {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَاا} [البقرة:٢٧٥].

الثاني: أن مفسدة الغرر محتملة، ومفسدة الربا متيقنة، فلذلك رخص في جانب الغرر ما تدعو الحاجة إليه؛ لأن تحريم الغرر اليسير والتابع أشد ضرراَ على الناس من منعهم من هذه المعاملة.

يقول ابن تيمية: «مفسدة الغرر أقل من الربا فلذلك رخص فيما تدعو إليه الحاجة، فإن تحريمه أشد ضررًا من ضرر كونه غررًا، مثل: بيع العقار وإن لم تعلم دواخل الحيطان والأساس، ومثل بيع الحيوان الحامل أو المرضع، وإن لم يعلم مقدار الحمل واللبن، وإن كان قد نهى عن بيع الحمل منفردا .... وجوز - صلى الله عليه وسلم - لمن باع نخلا قد أبرت، أن يشترط المبتاع ثمرتها، فيكون قد اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها، لكن على وجه البيع للأصل، فظهر أنه يجوز من الغرر اليسير ضمنًا وتبعًا ما لا يجوز من غيره، ولما احتاج الناس إلى العرايا أرخص في بيعها بالخرص، ولم يجوز الفاضل المتيقن، بل سوغ المساواة بالخرص في القليل الذي تدعو إليه الحاجة، وهو قدر النصاب خمسة أوسق أو ما دونه على اختلاف القولين للشافعي وأحمد، وإن كان المشهور عن أحمد ما دون النصاب ..... والإمام أحمد موافق لمالك في ذلك في الأغلب يحرمان الربا ويشددان فيه حق التشديد لما تقدم من شدة تحريمه، وعظم مفسدته ويمنعان الاحتيال عليه بكل طريق، حتى قد يمنعا الذريعة التي تفضي إليه وإن لم تكن حيلة ... » (١).


(١) الفتاوى الكبرى (٤/ ١٨ - ١٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>