فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[باب في الاستئمان والخلطة وكشف القضاة عما يستريبونه من الأمور بمن يرسلونه ممن يثقون به]

في أحكام ابن زياد يبعث القاضي وفقه الله رجلين عدلين إلى أمشاقة يجتمع أهلها ويقفوا على الأرض التي حلف عيها ابن الحرافي أنها هي التي أقر بها المنصور، وتقوم على قيمتها عندهم، فإذا عرف قيمة القفيز فيها أخذ الحرافي قيمة أربعة أقفزة، وفيها يستبرئ القاضي - رضي الله - عنه أمر التابوت الذي قالت أم الوليد أنه وديعة ويستبحث خبره فإذا تظاهر له أنه كما قالت أمر بإخراجه من العقلة ويبعث في ذلك من يثق بصدقه وأمانته ومن لا يظن به أنه رسول القاضي.

فإذا تبين ذلك أمضاه بالوديعة، ولا يطلب في ذلكالعدول لأنها أسباب لا يقدر على العدول فها وإنما يعمل فيها على ما يرجى به البلوغ إلى فهمه عند الكشف والبحث، وما كان فيه من غير ذلك مما عقد فيه إقرار أم الولد وزوجها بقولهما فهو ما عقد عليهما، فإن رجعا عن ذلك إلى دعوى غيرهما فهما فهما مبطلان. قال بذلك محمد ابن لبابة وأيوب بن سليمان وممد بن وليد.

وقال محمد بن غالب: الذي عقد الزوج على نفسه في قوله لا حق لي في الدار ولا في شيء منها موجب ما فيها لولد الميت، إلا ما صح لغيره بوديعة، وقد أفتى أصحابنا وللقاضي أن يأخذ بالأسهل ولا يحلم فيه ما يحمل في الدعويات من البينة العدلة، وكل ذلك حسن إن شاء الله وبه أقول؛ لأنه قد تبين له عند الامتحان ما يظهر له به الحق في دعوى مدعي الوديعة فيسقط العقل كما قالوا، ويكون صوابًا إن شاء الله. وقال بذلك عبيد الله بن يحيى وسعيد بن معاذ وأحمد بن يحيى ومحمد بن وليد.

واعلم أن الخلطة أصل في مذهب مال وأصحابه وبه جرى العمل بالمدينة، ذكر مالك في الموطأ أن عمر بن عبد العزيز كان لا يحلف المدعي عليه لمدعي حتى تكون بينهما مخالطة. قال مالك: وعلى ذلك الأمر عندنا، فإن نكل المطلوب عن اليمين حلف الطالب وأخذ حقه، وهو قو جماعة أهل المدينة: المشيخة السبعة وغيرهم.

وكان المشيخة السبعة يقولون: لا تعلق اليمين على كل من ادعى عليه، ولا تعلق اليمين إلا بالشبهة أو باللطخ أو بالخلطة بين الرجلين. هذا قولهم في كتابهم. وهو أكمل من الذي ذلك عنهم في كتاب الشهادات (أ - 16) من المدونة.

<<  <  ج: ص:  >  >>