للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فأبي عليهم إلا أن يجتمعوا لمناظرتي عَلَى المسألة، فأبوا؛ فأبى، ثم اتسع الأمر، وصارت مساجدنا يفعل ذلك فِيهَا، فخفت اندراس ركعتي الشفع عند العوام إن لَمْ تخصّ فِي رمضان بقراءة، فرجعت إِلَى المألوف، ثم بعد زمانٍ طويلٍ رأيت أبا الوليد الباجي أشار إِلَى الطريق التي كنت سلكت من التفصيل بين من كان وتره واحدة عقب صلاة الليل، ومن لَمْ يوتر إلا عقب الشفع، اللهم إلا أن يكون أراد قيام المتهجدين فِي غير رمضان؛ لأن رمضان يجتمع الناس فيه عَلَى النفل، ويتبع فيه فعل السلف فِي الاقتصار عَلَى عدد معلوم، فيكون مخالفاً لما سواه من قيام الليل، فقد يمكن أن يقصد إِلَى ذلك. انتهى.

واعترضه ابن عرفة فقال: إنما قال ذلك الباجي تقييداً لرواية ابن عبدوس (١) لا تفسيراً للمذهب، بل تعليلاً لمخالفة رواية التعيين، ولو ناظروه حجّوه (٢): إما باعتبار المذهب، فرواية التعيين أولى؛ لما تقرر من دليل ردّ المطلق للمقيد، وإما باعتبار الدليل؛ فلحديث أبيٍّ أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يوتر بثلاث ركعات يقرأ فِي الأولى بـ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى:١] وفِي الثانية بـ: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: ١] وفي الثالثة بـ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص:١]، والمعلوم منه - صلى الله عليه وسلم - التهجد. انتهى.

قلت: لعلّ ابن عرفة لَمْ يقف عَلَى جميع كلام المازري، وإلا فقد أورد المازري نحو هذا بنفسه عَلَى نفسه بعد كلامه الذي قدّمناه.

وأما الوتر فقال فِي " المدوّنة ": كان مالك يقرأ فِيهَا بأم القرآن و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} والمعوذتين، ولا يفتي الناس بذلك (٣). وقال اللخمي وابن يونس قال مالك فِي المجموعة: إن الناس ليلتزمون فِي الوتر قراءة: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} والمعوذتين وما ذلك بلازم وإنّي لا أفعله.

قلت: وقول ابن عرفة: قال اللخمي: رجع مالك لقراءة الوتر بالفاتحة والإخلاص


(١) الذي عند الباجي: الرواية عن ابن عباس لا عبدوس، انظر المنتقى شرح الموطأ، للباجي: ٢/ ١٦٢.
(٢) في (ن ١): (حجو).
(٣) انظر: المدوّنة، لابن القاسم: ١/ ١٢٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>