للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وقد أجيب عن هذا بأن أوامر النبي عليه السلام ونواهيه ليست عن نفسه، وإنما هي خبر عن ربه بأنه أمر ونهى، فكل أمر منه تضمن خبرا عن ربه أنه أمر به، ولهذا صدق فيه وأطيع، لأنه استدل بالمعجزة على أن جميع أخباره حق وصدق، فمن هذه الجملة وجب أن يتبع في أمره ونهيه.

وجواب ثانٍ أنهم لم يكونوا يسمون ما سمعوه عن النبي صلى الله عليه وسلم من هذا خبرا، ولكن حدثت له هذه التسمية بعد ذلك، لما أن نقلته رواة، فصار إخبار (ص ١٨٩) الرواة عن رواة فيه حقيقة الخبر، فلم يخرج هذا الاصطلاح عن حقيقة ما ذكرناه.

[فصل في تقسيم الأخبار على الجملة]

اعلم أن المشهور الذي عليه الجمهور انقسام الأخبار إلى قسمين: تواتر وآحاد.

والتواتر عبارة عن كل خبر رواه مخبرون، فعلم صدقهم في خبرهم ضرورة.

والآحاد عبارة عما لم يحصل منه أكثر من غلبة الظن بصدق من أخبر، واحدا كان أو أكثر، ما لم تبلغ الكثرة إلى العدد الذي يقع العلم الضروري بصدقها في خبرها.

وذهب قوم من الأئمة إلى زيادة قسم ثالث على هذين القسمين فقالوا: الأخبار ثلاثة، خبر واحد، وخبر مستفيض، وخبر متواتر، وجعلوا المستفيض منحطا عن طبقة المتواتر، مرتفعا عن طبقة الآحاد، ورأى هؤلاء أن إثبات هذا القسم لابد منه، لأجل وجود خبر يخرج عن هذين القسمين اللذين حصر الجمهور التقسيم فيهما، وهو الخبر الذي يقع عنه العلم بصدق المخبرين، لكن العلم الواقع علم نظر واستدلال، لا علم بديهة واضطرار. قال هؤلاء: فإذا كان التواتر عبارة عما يقتضي العلم الضروري، والآحاد عبارة عن يقتضي الظن، يقي هذا الصنف من الأخبار لا عبارة عنه، فاقتضى الحال وضع عبارة عنه تميزه عن القسمين، ونستوفي بوضعها تقسيم سائر الأقسم.

وقد نوزع هؤلاء من وجهين:

- أحدهما: يتعلق بوضع التسمية، وذلك أن المستفيض مأخوذ من الفيض، من قولهم: فاض الإناء يفيض فيضا، وهذا لمعنى إشعاره بحقيقة ما قلناه في الخبر المتواتر أولى، لأن الخبر المتواتر يفيد أعلى مرتبة تفيدها الأخبار، فهو من هذه الجهة قد زاد على غيره وفاض.

وهذه مناقشة في عبارة واصطلاح، ولا طائل تحتها، ولا يناقش أهل الاصطلاح على عبارة يتفاهمون بها معنى في صناعتهم. كما يناقش المتكلمون على الحقائق، أو لا ترى الجمهور يطلقون خبر الواحد على ما رواه الاثنان، لما كان إنما يستفاد من الاثنين الظن لا أكثر منه، ولكن سومحوا بهذا لما كان قصدهم الاصطلاح.

<<  <   >  >>