فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234]، وذلك تخفيفًا على الأرملة، وانتقالًا من عادة الجاهلية إلى الحكم الشرعي الخالد.

ثانيًا: التدرج في التشريع:

كان التدرج في التشريع أحد خصائص الشريعة الغراء؛ لمراعاة واقع الحياة، وطبيعة النفوس، وما ألفته من عادات وقيم ومبادئ وأحكام، وأخذًا بمبدأ التدرج في التربية الذي تلتزم به جميع مناهج التربية في العالم، ولأخذ الناس من السهل إلى الصعب، ومن الخفيف إلى الأشد، وغير ذلك من حِكم التدرج (1).

ومبدأ التدرج يقتضي تشريع أحكام معينة تتناسب مع الناس والظروف والأنفس والأحوال، ورفع الحرج، ومراعاة الطبيعة البشرية، ثم الانتقال بعدها إلى الأحكام الدائمة الخالدة التي تصلح للبقاء واختلاف الزمان، وهذا ما وقع كثيرًا في الأحكام الشرعية (2)، فمن ذلك:

1 - العبادات: شرعت الصلاة في أول الأمر صلاتين في الغداة والعشي حتى نهاية العام العاشر للبعثة، ثم فرضت الصلوات الخمس، وفرض الصيام في يوم عاشوراء، ثم نسخ وفرض صيام شهر رمضان كاملًا، وكانت الزكاة اختيارية في أول الأمر، ثم فرضت في السنة الثانية للهجرة، وكانت العمرة هي المطلوبة في عام الحديبية، ثم فرض الحج في السنة التاسعة للهجرة على القول الراجح.

2 - الخمر: جاء تحريم الخمر متدرجًا على أربع مراحل، فاعتبر أولًا مقابلًا للرزق الحسن، ثم تقرر أن إثمه أكبر من نفعه، ثم حُرّم قبل الصلاة، ثم نزل التحريم الكامل في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)} [المائدة: 90].

3 - الربا: ورد تحريم الربا على أربع مراحل أيضًا، فوصفه اللَّه بأنه لا نماء


(1) انظر تفصيل ذلك في كتابنا: التدرج في التشريع والتطبيق في الشريعة الإسلامية ص 37 وما بعدها.
(2) انظر المزيد من الأمثلة العملية للتدرج في التشريع في المرجع السابق ص 53 وما بعدها.

<<  <  ج: ص:  >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير