للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وإما أن يكون ظني الدلالة، أي: يدل على معنى ويحتمل معنى آخر، أو يدل على معنيين فأكثر.

فإذا كان النص الشرعي قطعي الثبوت وقطعي الدلالة فلا مجال فيه للاجتهاد، ولا يصح فيه الاجتهاد، وتنطبق عليه القاعدة السابقة بشكل كامل وصحيح "لا اجتهاد في مورد النص"، أو "لا مساغ للاجتهاد فيما فيه نصّ قطعي".

وهذا ما أراده الغزالي رحمه اللَّه تعالى في تحديد المجتهد فيه، فقال: "هو كلُّ حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي" (١).

وهذه الأحكام التي تثبت بدليل قطعي الثبوت والدلالة تشمل المسائل الأساسية في الدِّين، سواء كانت في مسائل الاعتقاد والتوحيد والإيمان، أو في العبادات، وسائر الأحكام العملية الأخرى، فالحكم فيها واحد قطعًا ويقينًا، حتى لا يكون الخلاف فيها مفضيًا للنزاع والخلاف وتفريق الصف، وانقسام الأمة.

وهذه النصوص الذي تعني معنى واحدًا فقط، لا تقبل التأويل بصرفها عن ذلك المعنى، ولا تقبل النسخ لانتهاء مدته بانقطاع الوحي، كما سبق، ويطلق عليها علماء الأصول: المُحْكَم الذي يتحدد البحث فيه بتفسير معناه، وفهمه، بحسب مقتضى اللغة والشرع لبيان دلالته، أو معرفة علته للقياس عليه، أو استنباط مقاصده للاهتداء بها في حالات أخرى.

ومن أمثلة ذلك وجوب الصلوات الخمس، والصيام، والزكاة، والحج، وتحريم القتل والزنا والسرقة وشرب الخمر، وتحديد عقوباتها المقدرة لها بنصوص القرآن والسنَّة المتواترة القولية والفعلية، وكذا الكفارات المقدرة، والأعداد الواردة في الكفارات والحدود، مثل قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: ٢]، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: ٤]، فهذان النَّصان لا يحتملان


(١) المستصفى (٢/ ٣٥٤)، ونقل الشوكاني عن الفخر الرازي مثل ذلك، فقال: "المجتهد فيه هو كل حكم شرعي ليس فيه دليل قاطع" إرشاد الفحول ص ٢٥٢، وانظر: علم أصول الفقه ص ٢١٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>