للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

للعمل بالاجتهاد الأول.

وهذا الكلام في المثالين إذا لم يكن القاضي قد حكم بصحة النكاح في الحالتين، فإن حكم بهما القاضي، فلا يلزم الزوج مفارقة المرأة؛ لأن حكم الحاكم يرفع الخلاف، ويترك المخالفُ مذهبه ويلتزم بمذهب الحاكم، كما سنبين ذلك في حكم القاضي التالي.

[٢ - أثر تغير اجتهاد الحاكم]

إذا اجتهد القاضي فيما يصح الاجتهاد فيه مما لم يرد فيه نص أو إجماع، وقضى في واقعة بما اجتهد به، ثم حصلت واقعة مماثلة للأولى، فاجتهد فيها، وتغير اجتهاده، فإنه لا ينقض الحكم السابق، وذلك تطبيقًا دقيقًا للقاعدة السابقة "الاجتهاد لا ينتقض بمثله": لأن النقض يؤدي -كما قلنا- إلى اضطراب القضاء، وعدم استقرار الأحكام، وشلل القضاء بعدم إنهاء المنازعات، وبالتالي عدم الوثوق بحكم الحاكم، وبقيت الخصومات على حالها، واستمر التشاجر والتنازع وانتشار الفساد والعدوان والظلم، وهذا يتنافى مع المصلحة التي وجد القضاء لأجلها، والحكمة التي نُضب لها الحكام.

والأمثلة في تاريخ القضاء الإسلامي كثيرة منذ عهد الصحابة، كتغير اجتهاد عمر رضي اللَّه عنه في المسألة المشتركة الحجرية في الميراث، وقرر القاعدة المشهودة "تلك على ما قضينا، وهذه على ما نقضي" (١)، ويؤيد ذلك ما جاء في كتاب عمر رضي اللَّه عنه لأبي موسى الأشعري رضي اللَّه عنه، وفيه: "لا يمنعنك قضاء قضيته اليوم، فراجعت فيه نفسك، أن تراجع الحق، فإن مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل" (٢).


(١) انظر: تاريخ القضاء في الاسلام ص ١١٨ - ١٢٠، التنظيم القضائي في الفقه الإسلامي ص ٤٨٢ - ٤٨٥.
(٢) هذا الكتاب رواه الدارقطني (٤/ ٢٠٦، ٢٠٨، ٢١٢) وورد في معظم كتب الفقه وغيرها، وتلقاه العلماء بالقبول، انظر: أعلام الموقعين (١/ ٩١)، الأحكام السلطانية للماوردي ص ٧١، المبسوط للسرخسي (١٦/ ٦٠)، أخبار عمر ص ١٨٤، مقدمة ابن خلدون ص ٢٢١، أخبار القضاة لوكيع (١/ ٧٠، ٢٨٣)، روضة القضاة (٤/ ١٤٧٨)، تبصرة الحكام =

<<  <  ج: ص:  >  >>