فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[الفرع الثاني: أقوال الفقهاء في حكم الاستعانة بأهل البدع]

ورد عن الإمام أحمد رحمه اللَّه نهيه عن الاستعانة بأهل الأهواء (1)، وعلل ذلك بأنهم يدعون إلى مذهبهم، ويغتر بهم الناس، وهذا هو مذهب الحنابلة (2)، وهذا النهي محمول على الكراهة؛ لأن غاية ما يكون عليه أهل البدع والأهواء أن يكونوا كفارًا بتلك البدع، والاستعانة بالكافر كما مضى جائزة عند الضرورة وفقًا لما ذكره الفقهاء من شروط.

ومتى ما اضطر المسلمون إلى الاستعانة بأهل البدع فلهم ذلك، على أن يضيق نطاق الاستعانة بما يفي بالغرض، كأن تكون الاستعانة بالسلاح، أو بالخبراء أو التدريب، لاسيما إن عُرف غشهم للمسلمين وعدم نصحهم، كما مضى بيانه من قاعدة اختيار أخف الضررين وأهون الشرين، ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه: "فإذا تعذر إقامة الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك إلا بمن فيه بدعة مضرتها دون مضرة ترك ذلك الواجب، كان تحصيل مصلحة الواجب مع مفسدة مرجوحة معه خيرًا من العكس، ولهذا


(1) "روى البيهقي في مناقب أحمد عن محمد بن أحمد بن منصور المروذي أنه استأذن على أحمد بن حنبل فأذن فجاء أربعة رسل للمتوكل يسألونه فقالوا: الجهمية يستعان بهم على أمور السلطان قليلها وكثيرها أولى أم اليهود والنصارى؟ فقال أحمد: أما الجهمية فلا يستعان بهم على أمور السلطان قليلها وكثيرها، وأما اليهود والنصارى فلا بأس أن يستعان بهم في بعض الأمور التي لا يسلطون فيها على المسلمين؛ حتى لا يكونوا تحت أيديهم، قد استعان بهم السلف، قال محمد بن أحمد المروذي: أيستعان باليهود والنصارى وهما مشركان ولا يستعان بالجهمي؟! قال يا بني: يغتر بهم المسلمون وأولئك لا يغتر بهم المسلمون"، الآداب الشرعية، عبد اللَّه بن محمد ابن مُفلح المقدسي، تحقيق: شُعيب الأرنؤوط، وعمر القيَّام، مؤسسة الرسالة: بيروت، ط 3، 1419 هـ، 1/ 275.
(2) انظر: كشاف القناع، 3/ 139، وقال في مطالب أولي النهى، 2/ 533: "وتحرم إعانتهم -أي: أهل الأهواء والكفار- على عدوهم من جنسهم، فإن كان عدوهم منا، فنجتمع على قتالهم، وإن كان عدو أهل الأهواء كافرا حربيا، فلا تحرم إعانتهم عليه لإسلامهم إلا خوفا من شرهم".

<<  <  ج: ص:  >  >>