للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

كما أن الفقهاء "أجمعوا على أنه إذا بلغ الإمام لم تجز الشفاعة فيه؛ لأن ذلك إسقاط حق وجب للَّه تعالى" (١).

ولأهمية إقامة الحدود فإن الفقهاء اتفقوا على مشروعية إقامتها حتى في حال غلبة أهل البغي، وأن أحكامهم لا تنقض، إلا ما كان خلافا للكتاب أو السنة أو الإجماع، كما ينقض من أحكام أهل العدل والسنة (٢)، قال ابن تيمية رحمه اللَّه: "ومن النهي عن المنكر إقامة الحدود على من خرج من شريعة اللَّه، ويجب على أولي الأمر وهم علماء كل طائفة وأمراؤها ومشايخها أن يقوموا على عامتهم ويأمروهم بالمعروف وينهوهم عن المنكر" (٣).

وبالرغم من أهمية إقامة الحدود، والنتائج السلبية والمخاطر المترتبة على تعطيلها أو تأجيلها، إلا أن العلماء ذكروا بعض الحالات التي يجوز معها تأجيل الحد، بل نقل ابن العربي رحمه اللَّه وغيره اتفاق الأمة على جواز تأخير القصاص إذا أدت إقامته إلى إثارة الفتنة أو تشتيت الكلمة.

واستدلوا لهذا الحكم بأدلة منها: فعل النبي عليه الصلاة والسلام إذ لم يحد عبد اللَّه بن أبي وقد كان رأس أصحاب الإفك، ومع هذا ترك حده لمصلحة هي أعظم من إقامته (٤).

كما استدلوا بالخلاف الذي وقع بين الصحابة رضوان اللَّه عليهم في زمن خلافة علي -رضي اللَّه عنه-، فقال رحمه اللَّه: "لما بُويع له -أي: لعلي -رضي اللَّه عنه- طلب أهل الشام في شرط البيعة


(١) المغني، ٩/ ١٢٠.
(٢) انظر: المبسوط، ١٠/ ١٣٠، والكافي، ١/ ٢٢٢، والأم، ٤/ ٢٢٠، والمغني، ٩/ ١٢.
(٣) الفتاوى، ٣/ ٤٢٢.
(٤) انظر: طرح التثريب، ٨/ ٦٣، وفتح القدير للشوكاني، ٤/ ١٣، وزاد المعاد، ٣/ ٢٢٩، والجامع لأحكام القرآن، ١٢/ ٢٠٢، وفيه: "قال علماؤنا وإنما لم يحد عبد اللَّه بن أُبي؛ لأن اللَّه تعالى قد أعد له في الآخرة عذابًا عظيمًا. . . ويحتمل أن يُقال: إنما ترك حد بن أبي استئلافًا لقومه واحترامًا لابنه وإطفاءً لثائرة الفتنة المتوقعة من ذلك".

<<  <   >  >>