فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المحققون من العلماء إذا تلفظ المكره بالكفر فلا يجوز له أن يجريه على لسانه إلا مجرى المعاريض، فإن في المعاريض لمندوحة عن الكذب، ومتى لم يكن كذلك كان كافرًا؛ لأن المعاريض لا سلطان للإكراه عليها" (1)، وهذا إنما يحمل على من كان لديه المعرفة والقدرة على ذلك، وإمكان التورية فقد يكون الأمر مما لا يحتمل التورية، فإن الواقع تحت الإكراه والتهديد والخوف قد يعجز عن التأمل والتروي ويبحث عن النجاة بأقصر طريق (2).

[المسألة الثانية: هل الأفضل النطق بكلمة الكفر أم الصبر؟]

إن النطق بكلمة الكفر رخصة، وإن الامتناع عن ذلك عزيمة، والتمسك بالعزيمة أفضل؛ لما فيه من إعزاز الدين وغيظ المشركين (3)، قال القرطبي: "أجمع العلماء على أن من أكره على الكفر فاختار القتل أنه أعظم أجرا عند اللَّه ممن اختار الرخصة" (4).

قال الشاطبي رحمه اللَّه: "فالصواب الوقوف مع أصل العزيمة إلا في المشقة المخلة الفادحة، فإن الصبر أولى ما لم يؤد ذلك إلى دخل في عقل الإنسان أو دينه، وحقيقة ذلك أن لا يقدر على الصبر؛ لأنه لا يؤمر بالصبر إلا من يطيقه" (5).

واستدل الفقهاء على أن الأخذ بالعزيمة أفضل بالآيات والأحاديث الواردة في الحث على الصبر والثناء على الصابرين واقتداء بالسلف، ومن تلك الأدلة: قصة أصحاب الأخدود، وسحرة فرعون، وما رواه خَبَّابٌ بن الأرت -رضي اللَّه عنه- قال: شَكَوْنَا إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً له في ظِلِّ الْكَعْبَةِ، قلنا له: ألا تَسْتَنْصِرُ لنا، ألا تَدْعُو اللَّه لنا! قال:


(1) الجامع لأحكام القرآن، 10/ 187.
(2) انظر: الإكراه وأثره في التصرفات، 116.
(3) المبسوط، 24/ 151، والمغني، 9/ 31.
(4) الجامع لأحكام القرآن، 10/ 188.
(5) الموافقات، 1/ 336.

<<  <  ج: ص:  >  >>