فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

(كان الرجل فِيمَنْ قَبْلكُمْ يُحْفَرُ له في الأرض، فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ، فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّه لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّه، والذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ) (1).

[المسألة الثالثة: هل الأفضل في كل الأحوال عدم النطق بكلمة الكفر؟]

ذهب بعض فقهاء الشافعية إلى أنه: "إن كان ممن يرجو النكاية في العدو، أو القيام بأحكام الشرع، فالأفضل له أن يدفع القتل عن نفسه، ويتلفظ بكلمة الكفر؛ لما في بقائه من صلاح المسلمين، وإن كان لا يرجو ذلك اختار القتل" (2).

ويشهد لهذا ما وقع في خلافة الفاروق: (عندما وجه عمر -رضي اللَّه عنه- جيشًا إلى الروم وفيهم عبد اللَّه بن حذافة (3) فأسروه، فقال له ملك الروم: تنصر أشركك في ملكي، فأبى، فأمر به فصلب، وأمر برميه بالسهام، فلم يجزع، فأُنزل، وأمر بقدر فصب فيها الماء، وأغلى عليه، وأمر بإلقاء أسير فيها، فإذا عظامه تلوح، فأمر بإلقائه إن لم يتنصر، فلما ذهبوا به بكى، قال: ردوه، فقال: لم بكيت؟! قال: تمنيت أن لي مائة نفس تلقى هكذا في اللَّه، فعجب، فقال:


(1) أخرجه البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الاسلام، رقم: 3416، وفي رواية بمسند الإمام أحمد، 6/ 395، رقم: 27260: "من المدينة إلى حضرموت".
(2) المهذب، 2/ 222، وانظر: روضة الطالبين، 9/ 142، والأشباه والنظائر، 1/ 207.
(3) الصحابي عبد اللَّه بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد القرشى السهمي أَبو حذافة أو أَبو حذيفة، أسلم قديما وكان من المهاجرين الأولين، هاجر إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية، وكانت فيه دعابة معروفة، وهو رسول رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بكتابه أول كسرى، وقع في أسر الروم سنة تسع عشرة، وتوفي بمصر، انظر: الإصابة في تمييز الصحابة، 4/ 57، والاستيعاب في معرفة الأصحاب، 3/ 888 - 889، والطبقات الكبرى، 4/ 189.

<<  <  ج: ص:  >  >>